العودة   اكاديمية علم النفس > قاعات العلوم الاكلينيكية النفسية والعلاج النفسي > قـاعـة : الـمـواضـيـع الـنـفـسـيـة الــعــامــة


إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-11-2010, 03:00 AM   المشاركة رقم: 31
الكاتب
عضو أكاديمية علم النفس

المعلومات
المهنة: معلم علم نفس (أكاديمي)
التسجيل: Aug 2010
العضوية: 8938
الدولة: ابها
المشاركات: 278
بمعدل : 0.21 يوميا
التوقيت
الإتصال فيصل العاصمي غير متواجد حالياً


كاتب الموضوع : فيصل العاصمي المنتدى : قـاعـة : الـمـواضـيـع الـنـفـسـيـة الــعــامــة
افتراضي

الحية". وتحت تأثيرها أيضاً أعلن بللسبوري أحد تلاميذ تيتشنر، في كتابه "أساسيات علم النفس"(1911) أن علم النفس هو "علم السلوك البشري".
ومع الإشارة إلى الانتماءات المختلفة لكل من كاتل ومكدوغال وبللسبوري، حيث أن كلاً منهم يمثل اتجاهاً أو مدرسة، فإنهم جميعاً استمدوا آراءهم من المناخ الفكري الذي كان سائداً آنذاك، والذي كانت الوضعية مكوناً من مكوناته. ولذا فبإمكاننا القول بكثير من الثقة والموضوعية أن نشوء السلوكية اقترن بانتشار وضعية كونت والتعديلات التي أدخلها أتباعه عليها فيما بعد.
ومما يميز وضعية كونت هو ثورتها على التفسيرات الغيبية التي تنطلق من وجود قوى خفية وراء الظواهر المرئية، ووقوفها ضد النظريات الميتافيزيائية التي تتخذ من الجواهر الخاصة مبداً وأسلوباً في وصف الوقائع. وبالرغم من أهمية هذه المقدمات وصحتها، فإن كونت لم يتمكن من الوصول إلى وضع أدلة منطقية ومقنعة على أهمية وصحة منهجه. فبدلاً من أن يقدم تعريفاً علمياً لمفهوم الجوهر وقيمته بالنسبة للشيء أو الموضوع، اختار أن يجتنبه ويبقي على مفهوم الظاهرة. وهذا يعني أن المنهج الوضعي الذي اقترحه كونت يرفض معرفة الأسباب الداخلية للظواهر، ويحث على معرفة القوانين الواقعية لها، أي "... معرفة علاقاتها الثابتة في تعاقبها وتشابهها، من خلال التوفيق بين المحاكمة والملاحظة"(كونت، 1900، 4).
إن تعميم هذا الفهم على ميدان علم النفس هو الذي قاد كونت إلى رفض المنهج الاستبطاني ومن ثم إنكاره لحق هذا العلم في الاستقلال. فلكي يصير علم النفس علماً كباقي العلوم يتعين عليه أن يستخدم منهج الملاحظة الخارجية أو "الملاحظة خارج الذات" حسب تعبير كونت.
وقد تعزز موقف كونت إزاء مهمة علم النفس بمقولة النشاط والوظيفة الحيوية التي يؤديها هذا النشاط والمتمثلة في تكيف الكائن الحي مع وسطه الخارجي كما طرحتها الفلسفة البراغماتية. على أن مؤسسي هذه الفلسفة لم يحصروا تلك الوظيفة في نشاط الأجهزة العضوية والفيزيولوجية فقط، بل وأناطوها بأجهزة الوعي أيضاً. ومن المناسب أن نستعيد في هذا الصدد ما قاله جيمس من أن أفكارنا ونظرياتنا إن هي إلا أدواتنا للتكيف مع العالم الخارجي. وهكذا تتضاءل الفوارق(إن لم نقل أنها تزول) عند البراغماتي بين الإنسان والحيوان، وينتفي في فلسفته دور التفكير في المعرفة عندما توكل إليه المهمة التي يؤديها أي جهاز من أجهزة العضوية.
وجد واتسون في إسقاط الوظيفة المعرفية عن التفكير المدخل الصالح والمناسب. ومن نافلة القول أن اعترافاً كهذا لا يدعو للاستغراب طالما أن الرجل نهل من الفلسفة البراغماتية، وتتلمذ على يد رواد الاتجاه الوظيفي السيكولوجي. وكانت تعاليم هذا الاتجاه ومبادئ تلك الفلسفة من بين محددات شخصيته العلمية. ولقد وصف ج.ميللر، فيما بعد، علاقة واتسون السلوكي بالمذهب البراغماتي، فقال: "السلوكية هي النظرية البراغماتية في النفس"
(miller, 1967, 82).
ولكن واتسون لم ير في هذا المدخل كل ما كان يطمح إليه ليقيم علماً موضوعياً إذا ما تم تناوله ضمن الإطار للوظيفة. والأمر هنا يتعلق برفضه لما أبداه الوظيفيون من حرص على دراسة الإدراك والتفكير والإرادة وسواها من وظائف الوعي. وقد أعرب عن موقفه بقوله: "لقد شهدت الأعوام الخمسة عشر الأخيرة نموّ ما يسمى بعلم النفس الوظيفي... إنه يتحدث بلغة تبدو متشددة في قيمة المعنى البيولوجي للعمليات الشعورية أكثر من تشددها في تحليل الحالات الشعورية إلى عناصر يمكن عزلها استبطانياً. بيد أن الفرق بين علم النفس الوظيفي وعلم النفس البنائي –بالشكل الذي يذكره الوظيفيون- فرق لا يدرك. ذلك لأن الإحساس والإدراك والعاطفة والانفعال والإرادة وما إليها من مصطلحات مازالت ترد على ألسنة الوظيفيين قدر ورودها على ألسنة البنائيين"(عاقل، 1981، 95).
وتوضح هذه الفقرة موقف واتسون المتشدد من محاولات استعمال المصطلحات الدالة على الوعي، أو التي تشير بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى وجود أي من مكوناته. وقد حرص على إظهار موقفه هذا في المقال الذي نشره عام 1913 بعنوان "علم النفس كما يراه السلوكي"، والذي أطلق عليه البعض: "البيان السلوكي".
يتناول واتسون في مقاله المذكور نقطتين أساسيتين: تتعلق الأولى بموضوع علم النفس، والثانية بمنهجه وطرائقه. وبالنسبة للنقطة الأولى فإنه يرى أن ما درج الناس على استعماله من مفاهيم ومصطلحات سيكولوجية مثل الإدراك والتفكير والذاكرة هو خطأ وقع فيه العلماء والباحثون. وقد حان الوقت لتصحيح هذا الخطأ ونقل تلك المصطلحات إلى لغة سلوكية. فالمصطلحات المتداولة حتى الآن، إن دلت على شيء، إنما تدل –في اعتقاده- على قصور أولئك الذين يستعملونها وعدم قدرتهم على التخلص من موروثات القرون الوسطى. ويقترح واتسون، في النتيجة، أن يكون السلوك موضوع علم النفس بدلاً من الوعي.(من هنا جاءت تسمية هذه المدرسة بالسلوكية behaviorism. والكلمة بالإنكليزية مشتقة من كلمة behavior أي سلوك) وأن تحل المصطلحات السلوكية كالمنبه أو المثير stimul والاستجابة أو الانعكاس reaction والمهارات والعادات محل المصطلحات التقليدية البالية. وتؤلف هذه الفكرة محور أعماله اللاحقة ففي بداية كتابه "السلوك، مدخل إلى علم النفس المقارن"(1914) ومقاله "علم النفس من وجهة نظر السلوكي"(1919) وكتابه "السلوكية"(1924) يستحضر أبرز الخطوط التي تميز النظريات السيكولوجية التي ظهرت على ساحة علم النفس حتى بداية القرن العشرين. ويربط بين تلك النظريات على قاعدة المبادئ والأسس المتداخلة فيما بينها ليبين، من ثم، خطأها وعجزها عن تطوير العلم الجديد وتقديم ما ينتظر منه من منفعة للفرد والمجتمع. وعلى هذه الخلفية يعرض واتسون بديله الذي يتمثل في دراسة السلوك، ولا شيء آخر غير السلوك القابل للملاحظة الموضوعية الخارجية ووحدته الأساسية المنبه "s" –الاستجابة "r"، مستعيناً أثناء ذلك بتجاربه الميدانية. ولا بأس أن نقتبس المقطع التالي من مقدمة كتابه "السلوك، مدخل إلى علم النفس المقارن" الذي يردد فيه ما كتبه قبل عام. يقول: "علم النفس، كما يراه السلوكي، فرع موضوعي وتجريبي محض من فروع العلوم الطبيعية. هدفه النظري التنبؤ عن السلوك وضبطه. وليس الاستبطان قسماً هاماً من طرائقه، كما أن القيمة العلمية للمعلومات التي يحصل عليها ليست متوقفة على إمكان تفسيرها بالشعور.. ويبدو أن الوقت قد حان ليتخلص علم النفس من كل إشارة إلى الشعور ومن ملاحظة الحالات النفسية.. إن من الممكن كتابة علم النفس دون الإشارة إلى(الشعور) و(الحالات النفسية) و(النفس) و(فحوى الخبرة) و(الإرادة) و(التصور) وما إلى ذلك... إن من الممكن كتابته ضمن حدود(المثير والاستجابة) و(تكوين العادات)..."(عاقل، 1981، 92).
وبعد أن نفى واتسون وجود الوعي واعتبر الحديث عنه ملكاً للتاريخ كان عليه أن يخطو الخطوة التالية ويقدم مصطلحات تتناسب مع منطلقاته وتعكس المستويات المختلفة والمتفاوتة للسلوك. ولما كانت وحدة السلوك(المنبه- الاستجابة) تبدأ بإثارة عضو الإحساس وتنتهي بالفعل الحركي، فقد قام بوصف كافة الظواهر النفسية، أو لنقل بلغة السلوكية، جميع مستويات السلوك باعتبارها استجابات حركية. فالكلام حركة(أو حركات) ذات طبيعة معينة، والتفكير مجموعة من الحركات(المهارات) اليدوية والكلامية، وآخر مراحل التطور الكلامي وأرقاها، وهي مرحلة الكلام الداخلي.
وتتمثل هذه المراحل التي حددها واتسون في:
1- مرحلة الاستجابات الكلامية الخارجية.
2- مرحلة الهمس.
3- مرحلة الاستجابات الكلامية الداخلية. وهكذا فالتفكير، عند واتسون، هو الكلام دون صوت(التفكير = الكلام –الصوت).
وعلى أساس النظرة إلى سلوك الحيوان أو الإنسان على أنه مجرد استجابات بسيطة أو معقدة على ما تستقبله العضوية من منبهات خارجية، بنى واتسون رأيه في التعلم. إذ وجد أن نجاح هذا النشاط يتوقف بالدرجة الأولى على تحليل المعلم للمادة الدراسية إلى منبهات وتحديد الاستجابات التي يتوجب على المتعلم أن يقوم بها كي يستوعب مضمون هذه المادة. إن تعلم مهارة ما، كالسباحة أو الكتابة أو العد، مثلاً، يتم، حسب تصور واتسون، عن طريق التحديد المسبق لكل من المنبهات والاستجابات التي تستجرها تلك المنبهات. فإذا كانت الاستجابات أ، ب، ج، د، هـ... الخ تشكل بتسلسلها وتتابعها مهارة من المهارات المذكورة، وكانت أَ، بَ، جَ، دَ، هَـ... الخ هي سلسلة المنبهات التي يتوقف على ظهورها القيام بتلك الاستجابات، فإن الوصول إلى الهدف(تعلم المهارة) يضحي أمراً واضحاً ويسيراً حيث يكفي أن يتكرر، تبعاً لذلك، القيام بالاستجابات أ، ب، ج، د، هـ... الخ مرات عديدة حتى التأكد من تعلم المهارة.
أما بالنسبة للذاكرة فقد عبر عنها واتسون بأنها نظام الاستجابات الصحيحة الصادرة عن الكائن الحي لدى مواجهته لموقف معين.
ولعل فهم العملية التعليمية والتربوية على نحو ما تقدم هو الذي دفع بصاحبه إلى أن يرفع أمام جمهور المربين وعلماء النفس تحديه المعروف عبر صفحات كتابه "السلوكية". حيث أعلن عن استعداده لتكوين السمات التي يريدها لدى عينة من الأطفال، فيجعل منهم الطبيب والفنان والمهندس والمحامي والعامل واللص بصرف النظر عن استعداداتهم وميولهم وإمكانياتهم وانتماءاتهم العرقية.
ولئن كان تعريف واتسون لعلم النفس بدءاً من عام 1913 هو أنه العلم الطبيعي والموضوعي الذي يتناول السلوك، فما هو المنهج الذي يجب على هذا العلم أن يستخدمه؟. لقد ألمحنا في مجرى الحديث عن محتوى المقال الأول الذي أعلن فيها واتسون عن ميلاد السلوكية إلى أنه رفض الاستبطان واعتبره منهجاً خاطئاً يبعد علم النفس عن غاياته في التعرف على تكون السلوك وآليات ضبطه والتحكم فيه، ويقلل من إمكانية الإفادة العملية من معطياته وتطبيقاتها في الحياة. ولكنه، بالمقابل، لم يقترح خلال عمله المذكور المنهج البديل، بل ولم يتعرض للأسس العامة التي يبنى عليها ذلك المنهج. ومن المرجح أن يكون سبب خلو هذا المقال، الذي وصفه كثير من العلماء بأنه مخطط شامل للسلوكية، من التصريح أو حتى التلميح بالمنهج الذي ينوي استخدامه، هو أن واتسون لم يكن قد حدد منهجه العلمي بعد. ولهذا فإن حديثه حول هذه النقطة لم يتعد دائرة الهجوم على الاستبطان.
ومن القضايا التي يتناقلها بعض الباحثين والمؤرخين على أنها حقائق ثابتة تلك القضية التي تتصل بتبني واتسون لمنهج الانعكاس الشرطي البافلوفي، واقتران ظهور السلوكية بهذا المنهج.
والحقيقة أن أفكار بافلوف بعامة لم تصل إلى واتسون إلا في وقت متأخر نسبياً وبصورة تدريجية. ولعل الوقفة الأولى لواتسون مع أفكار بافلوف ترجع إلى عام 1909 عبر المقال الذي نشره بيركس بالتعاون مع تلميذه مارغوليس، الروسي الأصل، واستعرضا فيه تجارب بافلوف حول تكوين الأفعال الانعكاسية الشرطية(1909 yerks, margulis,). وكان على واتسون أن ينتظر سبع سنوات أخرى ليتعرف على نظرية بافلوف بصورة مفصلة. وقبل ذلك بعامين، أي في عام 1914، اطلع على كتاب "علم النفس الموضوعي" للعالم الروسي بختيرف. وكان بختيرف يدرس عملية اكتساب الحيوانات للمهارات والخبرات بطريقة الانعكاسات الحركية. بينما كان بافلوف يستخدم طريقة الانعكاسات الشرطية في دراسته للسلوك الإنساني والحيواني. والفرق بين الطريقتين أو المنهجين يكمن في أن بختيرف كان يشدد على الجانب الحركي، الخارجي من السلوك، بينما كان بافلوف يركز على الجانب الإشاري. ولدى مقارنة واتسون للطريقتين امتدح طريقة الانعكاس الشرطي مشيراً إلى فوائدها في دراسة السلوك الحيواني. ولكنه وجد أن طريقة الانعكاسات الحركية التي وضعها بختيرف هي الأفضل والأنسب. ومع ذلك فإنه لم يستخدم في تجاربه أياً من الطريقتين. واعتمد على المبدأ العام في تكوين أشكال جديدة من السلوك عن طريق تأثير المنبهات الخارجية على العضوية واستجابات هذه الأخيرة عليها، ويتمثل هذا المبدأ في أن السلوك يتكون تدريجياً بفعل التأثيرات الخارجية. وهكذا بدأ بدراسة مجموعة من الأطفال حديثي الولادة، تناول، فيها ظاهرة استخدام اليد اليمنى بهدف تبيان ما إذا كانت هذه الظاهرة فطرية، أم أنها تتشكل تحت تأثير المحيط. وتمشيا مع منطلقاته قرر الأخذ بالفرضية الثانية.
ويخبرنا واتسون أنه لم يجد لدى أغلب الأطفال الذين أخضعوا لملاحظته أي تفضيل ليد على اليد الأخرى. واستخلص أن الاستجابات التي يقوم بها الأطفال تحت إشراف الأهل والمربين وتوجيهاتهم تجعلهم يستخدمون اليد اليمنى في جميع نشاطاتهم الحياتية. أما الأطفال الذين يميلون نحو استخدام إحدى اليدين بعد الولادة فيشير واتسون إلى أن سبب ذلك يعود إلى الوضعيات التي تتخذها العضوية في المرحلة الجنينية.
وتأتي هذه الدراسة على أطفال البشر استمراراً للخط الذي رسمه واتسون في مقاله الأول، وتنفيذاً لمشروعه الذي يرمي إلى إخضاع النشاط الإنساني و(السلوك الحيواني) للملاحظة الموضوعية، وتفسيره على أساس ارتباط الاستجابات بالمنبهات. وقد تمثلت الخطوة الأولى في هذا الاتجاه بإجراء مجموعة من التجارب التي أجراها على الحيوانات، وعرضها في كتابه "السلوك، مدخل إلى علم النفس المقارن". وقد يكون انتقاله من التجريب على الحيوان إلى التجريب على البشر رداً على الانتقادات التي ارتاب أصحابها في إمكانية تعميم صيغة "منبه  استجابة" على سلوك الإنسان. فبعد أن سرح واتسون من الجيش الأمريكي في نهاية الحرب العالمية الأولى حيث قضى قرابة العامين في القوات الجوية كضابط احتياطي، استأنف نشاطه التجريبي، ولكن هذه المرة على الإنسان ليبرهن على وحدة القوانين التي يخضع لها سلوك الكائنات الحية جميعاً، وأن ما نفسّر بموجبه سلوك الحيوانات يصح، بل ويجب أن يفسر به سلوك الإنسان. وفي هذا السياق جاءت التجربة المذكورة كحلقة في سلسلة من التجارب التي قام بها واتسون على البشر، وعالج فيها ظواهر نفسية متعددة ومتفاوتة التعقيد. وكان الانفعال من بين تلك الظواهر التي أراد واتسون من وراء طرحها أن يرد على فرضية جيمس –لانغ حول أولوية التغيرات العضوية وثانوية أو تبعية الحالات الانفعالية. ومن الطبيعي أن يعترض واتسون على تلك الفرضية، طالما أنها تتعارض مع مبادئ نظريته.
وخلاصة ما يراه واتسون هو أن الانفعال ليس إلا تغيرات عضوية داخلية وتعبيرات خارجية. وعليه فإنه يلح على ضرورة التخلي عن التصورات الخاطئة حول وجود مشاعر وإحساسات ذاتية في الانفعال. وبعد أن يحدد الانفعال على هذا النحو يمضي إلى ماهو أساسي في مشروعه، أي نحو التحقق من إمكانية توجيه هذه الظاهرة وفق البرنامج المقرر.
إن موقف الفرد من الموضوعات الخارجية وتفضيله بعضها على البعض الآخر، وميله نحو أشياء، ونفوره من أشياء أخرى، كل ذلك يتكون، في اعتقاد واتسون، تحت التأثير الخارجي والمتكرر(الإيجابي أو السلبي) للأشياء والموضوعات. وللبرهان على صحة هذه الفرضية أجرى واتسون وروزاليارينور تجربة على الأطفال الصغار، تضمنت تكوين استجابات انفعالية شرطية لدى الطفل، حيث يقترن ظهور منبه محايد(أرنب) بمنبه يثير خوف الطفل(صوت قوي، مثلاً). وبعد تكرار عرض المنبهين عدداً من المرات بدأ المنبه الأول(الأرنب) يثير انفعال الخوف عند الطفل لمجرد رؤيته له وحده دون المنبه الآخر(الصوت)، بل وإن هذه الاستجابة(الخوف) أصبحت تظهر لدى الأطفال الذين شاركوا في التجربة عند إدراكهم للأشياء المغطاة بالوبر أو عند رؤيتهم لإنسان يحمل أرنباً.
ومثلما يتكون السلوك الانفعالي بفعل المنبهات الخارجية وتأثيرها، فإنه يزول بالطريقة ذاتها. وهذا ما حاول واتسون التدليل عليه في تجربة مكملة لتجربته السابقة، حدد من خلالها الكيفية التي يتم بها علاج الخوف وتخليص الناس منه. فبعد أن استعمل بالتعاون مع ميري جونس أساليب قديمة ومعرفة لمحو الانفعال، كالإقناع والابتعاد عن الموضوعات التي تثيره، أو الاقتراب منها والتعامل معها بشكل دائم، وعرض نماذج اجتماعية إيجابية(ضرب أمثلة على أناس لا يخيفهم الموضوع، عرض حالات عيانية لأناس لا يثير لديهم الموضوع أي انفعال سلبي... الخ). وتبين لـه عدم جدوى هذه الأساليب وعجزها عن بلوغ الغاية المرجوة، لجأ إلى أسلوب آخر مبني على قاعدة: الإحساس الإيجابي يطرد الإحساس السلبي. وعملاً بهذه القاعدة كان الفاحص يقدم قطعة من الحلوى للطفل في الوقت الذي يدرك فيه الأخير المنبه الذي يثير خوفه عن مسافة بعيدة. ويتوالى تقديم الحلوى للطفل مع تقريب المسافة التي تفصله عن المنبه شيئاً فشيئاً إلى أن يصبح قادراً على مسه وأن يحس بالأمن أثناء الإمساك به.
وقد انتهى واتسون في نهاية تجاربه إلى نتيجة مؤداها أن انفعالاتنا الإيجابية والسلبية تتكون في السنوات الأولى من حياتنا على أساس العلاقات الانعكاسية الشرطية بين المنبهات الخارجية والاستجابات التي قمنا بها مراراً تحت إلحاح المحيط ومتطلباته.
لقد بدا واتسون لجمهور العلماء والمثقفين وكأنه ألف في نظريته بين أفضل ما تضمنته الوضعية والبراغماتية من مفاهيم وتصورات على نحو مبدع وخلاق. فكانت لأفكاره أصداء إيجابية واسعة، مما جعله يتبوأ مكانة الريادة في الفكر الأمريكي المعاصر. وتجسد ذلك في انتخابه رئيساً لرابطة علماء النفس الأمريكيين عام 1915، وهو لم يتجاوز بعد السابعة والثلاثين من العمر. كما كتبت الصحيفة اللندنية "نيوشين" في تعليق لها بعد صدور كتاب "السلوكية" تقول: إن هذا الكتاب لا يطمح إلى تطوير علم النفس فحسب بل ويمثل منظومة فكرية تدعو إلى تثوير الأخلاق والدين والتحليل النفسي". وفي نفس المناسبة وحول نفس الموضوع ذهبت صحيفة "نيويورك تايمز" إلى أبعد من ذلك حيث وجدت أن واتسون قد دشن، بعمله هذا، بداية عصر جديد في تاريخ الفكر الإنساني.
وهكذا أصبح مصطلح "السلوكية" يدل على الاتجاه السيكولوجي الذي يخالف الاتجاهات التي سبقته. ولقد وصف أحد العلماء المراحل التي مرت بها دراسة النفس منذ بداية الفكر الإنساني حتى السلوكية بأن علم النفس كان في بداياته يهتم بالروح، ثم اتجه هذا الاهتمام نحو الوعي ليتحول على أيدي السلوكيين إلى "سيكولوجيا دون نفس". ويحمل هذا الوصف إشارة واضحة إلى إهمال السلوكية للحياة النفسية، واكتفائها بدراسة ماهو خارجي أو ظاهري منها. فالسلوكيون عرفوا السلوك بأنه النشاط الذي يقوم به الكائن الحي. ولا فرق عندهم إن تجسد هذا النشاط في حركات بسيطة أو في أفكار. فهذه وتلك استجابات تصدر عن العضوية ردّاً على المنبهات الخارجية. لذا فإن مهمة السلوكي تنحصر في الوقوف على العلاقة المباشرة بين المنبهات والاستجابات.
ويبدو للوهلة الأولى أن تحديد مهمة علم النفس على هذا النحو يعكس فهماً موضوعياً ومادياً لأبعاد واتجاه ومحتوى العلاقة بين الكائن الحي والوسط الخارجي. ولكن إمعان النظر في هذا الفهم يكشف لنا عكس ذلك. فواتسون ومن قبله ثورندايك لم يتحدثا عن وجود وقائع وأشياء إلا من خلال إثارتها للعضوية في لحظة معينة. وهذا يعني أن وجود الوقائع والأشياء الخارجية ليس وجوداً موضوعياً ومستقلاً عنا، وإنما هو وجود ذاتي مرهون بأفعالنا واستجاباتنا. وقد عبر ف.بريد أحد منظري السلوكية عن تبعية عالمنا لعضويتنا، حيث قال: "نحن الذين نصنع عالمنا، وحتى عندما نموت فإننا نأخذه معنا..."
(national society , 1942, 100).
وهناك مسألة أخرى تستوقفنا لدى استعراضنا لنظرية واتسون، وتتعلق بالجانب العضوي من علاقة(المنبه  الاستجابة). فقد وجد مؤسس السلوكية أن هذه العلاقة هي علاقة ثابتة لا تتغير مطلقاً، إذ أن منبهاً ما يستجر استجابة محددة بغض النظر عن حالة العضوية. وبذلك يلغي واتسون إيجابية وفعالية دور












عرض البوم صور فيصل العاصمي   رد مع اقتباس
قديم 08-11-2010, 03:00 AM   المشاركة رقم: 32
الكاتب
عضو أكاديمية علم النفس

المعلومات
المهنة: معلم علم نفس (أكاديمي)
التسجيل: Aug 2010
العضوية: 8938
الدولة: ابها
المشاركات: 278
بمعدل : 0.21 يوميا
التوقيت
الإتصال فيصل العاصمي غير متواجد حالياً


كاتب الموضوع : فيصل العاصمي المنتدى : قـاعـة : الـمـواضـيـع الـنـفـسـيـة الــعــامــة
افتراضي

العضوية في السلوك.
إن الوقائع التي كشفت عنها التجارب العلمية تدل بوضوح على أن منبهاً بعينه قد يستدعي عدداً من الاستجابات المتنوعة حسب ما يكون عليه حال العضوية وتعقيداتها. فهي، أي العضوية، ليست طرفاً منفعلاً أو سلبياً في علاقاتها مع المحيط الخارجي. وإنما تؤثر فيه وتتأثر به بأشكال مختلفة، وبدرجات متفاوتة بفضل الأجهزة التي تتألف منها، وفي مقدمتها الجهاز العصبي.
لقد أراد واتسون أن يخلص علم النفس من أزمته بجعله علماً طبيعياً يدرس السلوك والتكيف عند البشر والحيوانات عن طريق الملاحظة الخارجية لأفعالهم وتصرفاتهم. ووجد أن هذا السلوك يتكون من الاستجابات العضلية والغددية تحديداً. وأصل فكرة واتسون هذه يرجع إلى النتائج التي توصل إليها و.سمول w.small، أستاذ علم النفس الحيواني في جامعة كلارك، من خلال تجاربه التي أجراها على الفئران في بداية القرن الحالي. وقد صاغ هذا العالم نتائجه على شكل فرضيتين. تحدث في إحداهما عن إمكانية أن تكون الفئران قد عثرت على الطعام في علبة النهاية من المتاهة بفضل الإحساسات العضلية. ومنذ عام 1907 شرع واتسون بإجراء سلسلة من التجارب حاكى فيها تجارب سمول مع إدخال متغيرات جديدة وتقنيات تجريبية حديثة. حيث كان في كل تجربة يستبعد حاسة من حواس الفأر بواسطة عملية جراحية. وتوصل في النهاية إلى أن حرمان الحيوان من حاسة البصر ثم السمع فالشم لم يمنعه من اكتساب مهارة عبور المتاهة. وعلى أساس هذه الوقائع بنى رأيه في أن الحس العضلي(وهو الوحيد الذي لم يستطع حذفه) هو الذي مكن الفئران من تعلم تلك المهارة والاحتفاظ بها.
حقيقة أن أحداً لا يشك في الدور الهام الذي يضطلع به الجهاز العضلي في تعلم الفرد ونموه. ولكنه إذا كان من الخطأ نكران هذه الحقيقة، فإنه من الخطأ أيضاً أن نختزل العضوية كلها بهذا الجهاز، وأن ترد آليات التعليم والنمو النفسي إلى الحس العضلي وحده. وعندما ينفي واتسون كل ما ليس بالإمكان ملاحظته بشكل مباشر، ويدفع عن سلوكيته تهمة الارتباط بالفيزيولوجيا، فإنه يؤكد على نظرته إلى العضوية كطرف سلبي في علاقتها مع المحيط الخارجي، ويقترب، بالتالي، من مواقع النظرية المكيانيكية التي لا تقر بتغير علاقة الاستجابة بالمنبه في مختلف مستويات التطور العضوي للكائنات الحية. وما دامت عضوية الحيوان تحمل جهازاً عضلياً كما تحمله عضوية الإنسان، فليس ثمة ما يدعو للحديث عن مستويين من السلوك مختلفين جوهرياً. ولهذا يبدو لواتسون أن الاختلاف بين السلوك الحيواني والسلوك الإنساني هو اختلاف كمي فقط مرده إلى وجود عضلات لدى الإنسان تتولى القيام بالاستجابات الكلامية، الخارجية منها والداخلية.
ولعل من الخطأ إغفال الدور الذي يلعبه الجهاز العصبي في حياة الكائن الحي. فهو المسؤول عن وحدة العضوية والحفاظ على تماسكها وتوازنها وشروط فعاليتها وتفاعلها مع البيئة الخارجية. وزيادة على هذا فإن هذا الجهاز يختلف في البنية والخصائص من نوع حيواني إلى نوع آخر، بل ومن فصيلة إلى فصيلة أخرى داخل النوع نفسه. الأمر الذي يجعل الكائنات الحية تستجيب بأشكال مختلفة على نفس المنبهات. فالاستجابة تتحدّد من خلال حالة الجهاز العصبي التي تتدخل فيها –وبدرجات متفاوتة- الخبرة السابقة، وكذا استعداد النسيج العصبي في اللحظة الراهنة.
وصفوة القول أن الاكتفاء بالوقوف على المنبهات وما تستجره من استجابات يعني حصر مهمة علم النفس في دراسة الجانب الخارجي والمحسوس من الظاهرة النفسية. ولصعوبة تتبع عمل الجهاز العصبي المركزي بصورة مباشرة، رفض واتسون الحديث عنه واعتبره "صندوقاً سرياً" من غير المجدي أن نعزو إليه المسائل النفسية. وبذا يكون قد أهمل الآليات التي تشترط الاستجابة وتنظمها.
إنا وإن توقفنا بعض الوقت لاستجلاء أهم آراء واتسون والتعقيب عليها ومناقشتها، فلأن الرجل زعيم الحركة السلوكية والداعية الرئيسي لها. بيد أن ذلك لا ينسينا الجهود التي بذلها باحثون آخرون من أجل دعم هذه الحركة وتطويرها. فلم يكن واتسون وحيداً بأفكار ومتفرداً ببحوثه وتجاربه، بل كان هناك العشرات ممن كانوا ينظرون إلى واقع علم النفس في تلك الفترة من مواقع قريبة من موقعه. وهذا ما سهل عليه نشر دعوته والتفاف مجموعة من الباحثين حولـه. وكان من أبرزهم ألبرت ويس albert weiss
(1879-1931م) وأدوين هولت edwin holt (1873-1946م) وولتر هانتر walter hunter(1886-1954م) وكارل لاشلي carl lashley (1890-1958م) وإدوين غاثري edwin guthrie
(1886-1959م).
تأثر ويس بأفكار أستاذه ماكس ماير max meyer التي جعلته قريباً من السلوكية. وتدور هذه الأفكار حول ضرورة أن يهتم علم النفس بالتعرف على قوانين النشاط العصبي بوصفه أساس السلوك. وقد عالج ماير هذه الفكرة المركزية في كتابه "القوانين الأساسية للسلوك الإنساني" المنشور عام 1911. وفيه تعرض، زيادة على النشاط العصبي وقوانينه، إلى منهج الاستبطان وفوائده في دراسة العقل وليس في وصف الخبرة.
ويطالب ماير في كتابه "سيكولوجيا الشخص الآخر" الصادر عام 1921 علم النفس، فيما إذا أراد أن يكون علماً حقيقياً، بأن يتحول إلى علم عن الآخر، أي عن الإنسان الذي يجب أن يلاحظ من الخارج، لا من الجانب المفتوح على "الملاحظة الداخلية".
ويحذو ويس حذو أستاذه في مسعاه لتأسيس علم النفس على دعائم علمية ثابتة. ويرى أن ذلك لا يتأتى إلا بالتخلي عن خصوصية الوقائع التي يزعم ممثلو هذا العلم أنها تجعل منه علماً متميزاً ومختلفاً عن سائر العلوم الطبيعية. ويقترح أن يتعامل هؤلاء مع تلك الوقائع على أنها وقائع طبيعية تخضع لنفس القوانين التي تخضع لها الوقائع الأخرى، وتعالج بنفس المنهج والمنطق اللذين تعالج بهما. فالقوانين الكيميائية والفيزيائية تصلح لدراسة الموضوعات السيكولوجية. والملاحظة الخارجية وما يستتبعها من تحليل وتركيب هي، في نظر ويس، الطريقة المثلى لتحقيق هذه الغاية.
ويعرف ويس في كتابه "أساس نظري للسلوك الإنساني" الصادر عام 1925 علم النفس بأنه العلم الذي يدرس سلوك الفرد. والسلوك، عنده، وهو النشاط البيولوجي الذي تمارسه عضوية الإنسان في الوسط الاجتماعي. وتتجلى عبر هذا التعريف محاولة ويس التوفيق أو الجمع بين الجانب العضوي والجانب الاجتماعي في السلوك الإنساني. ولهذا نراه يتحدث عن التأثير المتبادل بين الأفراد وما يحدثه ذلك من تغييرات لدى كل واحد منهم. فيجد أن سلوك الفرد هو استجابة على سلوك الآخر، ومنبه يدفع الآخر للاستجابة في نفس الوقت. ولكن العضوية في جميع الأحوال والمواقف تظل هي المسؤولة عن الاستجابات والمصدر الوحيد لها.
ومن الأسماء التي اقترنت السلوكية بها نذكر هولت، الذي وصفه بورينغ بأنه "نصف فيلسوف ونصف مجرب". ويحدد هولت الوعي في كتابه "مفهوم الوعي"(1914) بأنه أسلوب في استجابة الفرد على الموضوعات المادية الخارجية. وبتعبير آخر يرى أن الموضوعات الخارجية تؤلف قوام الوعي. فهي تتحول إلى مكونات الوعي، أو، كما يقول هولت نفسه، إلى "أشياء في الوعي" بسبب ما تثيره من استجابات انعكاسية في الجملة العصبية. ومن هذا المنطلق يصبح الإحساس(أو الشكل بعامة) جزءاً من الموضوع وليس ظاهرة تتشكل بفعل انعكاس هذا الأخير، أي الموضوع، في وعي الفرد. وبناء على ذلك يقرر هولت أن الوعي كواقعة متميزة يتلاشى، وينحل في العالم الطبيعي.
إن انحلال الوعي في العالم المادي وتطابقه مع الموضوعات الفيزيائية هو تجريد للإنسان من خاصيته وتخليص لعلم النفس من الاهتمام بها. وقد يظن البعض أن العمليات العقلية، لم تكن شمولية بكلام هولت وأنها العنصر النفسي الوحيد الذي أبقاه داخل ميدان علم النفس. ولكن هولت سرعان ما يخيب مثل هذا الظن حين ينسب هذه العمليات إلى الأفعال والحركات التي تؤديها العضوية.
ومن هذا المدخل إلى الحياة النفسية للفرد يصل هولت إلى نتيجة مؤادها أن العقل والوعي مفتوحان أمام الملاحظة الخارجية المباشرة، سواء أكان الهدف تناول مضمونها الذي يعتبره جزءاً من العالم العادي، أو دراسة العمليات العقلية التي ينظر إليها كاستجابات فيزيائية أو عضوية. وبناء على هذا تصبح الصلة بين الموضوع من جهة، والفعل الذي يقوم به الفرد من جهة ثانية هي الوحدة الأساسية للنفس التي يتعين على السيكولوجي معالجتها.
وتحت تأثير نظرية فرويد التي كانت تشق طريقها بقوة وبسرعة كبيرتين في الأوساط الثقافية والعلمية حاول هولت التقريب بينها وبين السلوكية عبر مفهوم اللاوعي الذي تعتمد عليه الأولى ونفي الوعي الذي تنطلق منه الثانية. وكان لمحاولته الأثر الواضح في تعاليم بعض أتباع السلوكية فيما بعد.
ومن بين الذين وقفوا إلى جانب واتسون يجب أن نشير إلى كل من هانتر ولاشلي. فقد رفض الأول الإبقاء على كلمة سيكولوجيا لأنها تعني النفس وتتضمن الاهتمام بدراستها. ومن أجل أن تعبر الكلمة عن العلم الذي يدرس السلوك اقترح تسمية جديدة هي anthroponomy. ولقد أسهم هانتر في تعزيز مكانة السلوكية ونشر تعاليمها بوصفه تجريبياً أكثر منه منظراً. حيث اشتهر بتجربته التي درس فيها "الاستجابة المؤجلة أو اللاحقة".
أحضر هانتر صندوقين متماثلين ووضعهما أمام القرد. وعلى مرأى من الحيوان قام بوضع طعام في أحد الصندوقين. ثم أقام حاجزاً(ستاراً) بين القرد والصندوقين لبعض الوقت. وبعد رفع الحاجز ترك القرد ليبحث عن الطعام. فلاحظ أنه يمضي نحو الصندوق الذي يوجد فيه الطعام ثم يفتحه ويحصل على ما فيه دون أخطاء. ويدلّل ذلك، في نظر هانتر، على أن لدى الحيوان القدرة على الاستجابة في وقت لاحق بعد الاحتفاظ بها طيلة هذا الوقت، فضلاً عن قدرته على الاستجابة المباشرة. وصار هذا النوع من الاستجابات يشير إلى وجود "حالة أو موقف seat لدى الحيوان قبل الشروع بأي فعل. وتسمح هذه النتيجة بالحكم على أنها وضعت صيغة الاستجابة المباشرة على المنبه دون أي اعتبار أو حساب لوجود عنصر أو طرف ثالث موضع الشك.
أما لاشلي، تلميذ واتسون وأستاذ جامعتي شيكاغو وهارفارد وعضو مخبر بيركس، فقد عمل في حقل السيكوفيزيولوجيا. وأجرى عدداً كبيراً من التجارب على الحيوانات، أهمها تجربته التي تعاون فيها مع فرانز، وانتهيا من خلالها إلى وضع قوانين لنشاط القشرة الدماغية. وتتلخص هذه القوانين في أن القشرة الدماغية تعمل بوصفها ككل، وأن أي جزء منها يشارك في اكتساب السلوك الراقي. بيد أن تجربته التي جاءت رداً على تجربة واتسون اضطلعت بدور هام في تطوير الأفكار السلوكية. وفيها تمكن من قطع مسلك الحس العضلي الذي وجد واتسون أنه وراء جميع الاستجابات(المتعلمة وغير المتعلمة) التي تصدر عن الكائن الحي. وعلى الرغم من حرمان الفأر من الحس العضلي، فقد استطاع أن يعبر المتاهة. واعتقد لاشلي أنه بذلك وضع يده على الدليل القاطع على أن ما ينظم التعلم هو الاستجابات المكانية التي تزود الحيوان بنوع من التوجه في المتاهة ليصل إلى علبة النهاية وليست الاستجابات العضلية كما قال واتسون.
ويمثل غاثري الخط المتشدد في الاتجاه السلوكي. وغاثري هو أحد تلاميذ إدغار أرتور سينغر المعروف بمعارضته لسيكولوجية الوعي. وقد عبر عن موقفه هذا في اجتماع لرابطة الفلاسفة الأمريكيين عام 1910 حيث قال بأن الوعي لا يعتبر مخططاً داخلياً للأفعال الخارجية التي نحكم بها ومن خلالها عليه مثلما يعتقد الوظيفيون. وإنما هو السلوك ولا شيء آخر عداه.
اشتغل غاثري بالتدريس بين عامي 1914، 1956 في جامعة واشنطن. وانصب اهتمامه بشكل رئيسي نحو وضع نظرية في التعلّم. ولم يترك إلا عدداً قليلاً من المؤلفات، أهمها كتابه "علم نفس التعلم" الذي نشره عام 1935 وعدله أكثر من مرة.
انطلق غاثري من دراسة السلوك الإنساني والحيواني باعتباره الحقيقة التي يمكن معاينتها. والسلوك، عنده، كما هو شأنه عند واتسون، يتكون من المهارات. ولكنه، خلافاً لواتسون، يختصر قوانين اكتساب تلك المهارات في قانون واحد، هو "قانون الإشراط المتجاور continguous conditioning. ويعني بهذا القانون "أن مجموعة المنبهات التي صاحبت حركة ما ستميل في تكرارها إلى أن تكون متبوعة بتلك الحركة"
(guthrie, 1935, 26). فعندما يفعل الإنسان شيئاً ما في أحد المواقف، فإنه ينزع إلى فعل نفس الشيء فيما لو تكرر الموقف ذاته.
لقد رفض غاثري أن يكون وراء تكون أفعال المرء أي عامل آخر سوى العمل. ففي العمل، وليس عن طريق التكرار أو الأثر، نكتسب خبراتنا ومهاراتنا وعاداتنا.
وهكذا حملت أعمال السلوكيين، وخاصة تجارب هانتر ولاشلي، بذور الانشقاق في صفوف ممثلي الاتجاه السلوكي في علم النفس. والحال أن التباين في وجهات نظر علماء النفس الأمريكيين ظهر جلياً في بداية الثلاثينيات من القرن العشرين مع اشتداد الأزمة الاقتصادية في الولايات المتحدة الأمريكية، وما رافقه من إصلاحات في البنية الفكرية والثقافية. وقد تجسد ذلك في بروز تيار سلوكي جديد عرف بـ "السلوكية الجديدة" الذي سيكون موضوع حديثنا في فصل لاحق.







الفصل السابع عشر
المدرسة القصدية


يرتبط علم النفس القصدي باسم وليم مكدوغال w.mcdougall الذي كان واحداً من علماء النفس البارزين في العقود الأولى من القرن العشرين.
ولد مكدوغال في إنكلترا عام 1871، وتوفي في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1938. وعمل مدرساً في جامعات كامبردج ولندن وأكسفورد. ثم ترك الجامعة إثر خلافه مع إدارتها بسبب موقفها الرافض لكل توجه سيكولوجي. وأمام هذا الوضع وجد نفسه مضطراً لمغادرة إنكلترا والسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1920، وهناك واصل نشاطه العلمي والتدريسي في جامعتي هارفارد وديوك.
بدأ مكدوغال بحوثه العلمية بدراسة النشاط العصبي. ووجه انتباهه بالدرجة الأولى نحو عمليات الكف. ونشر في هذا الموضوع كتاباً تحت عنوان "علم النفس الفيزيولوجي" عام 1905 بالإضافةإلى مجموعة مقالات منها "طبيعة عملية الكف في الجهاز العصبي"(1903) و"العوامل السيكولوجية لعملية الانتباه"(1905). غير أنه سرعان ما تحول إلى دراسة المسائل التي تندرج ضمن مادة علم النفس الاجتماعي لملء الفراغ الذي يرجع سببه إلى إغفال علماء النفس لهذا الجانب الحيوي وانصرافهم عنه للبحث في العمليات العقلية الداخلية. وبقيت هذه المسائل تشكل بؤرة اهتمامه حتى وفاته. وقد خصص لمعالجتها كافة أعماله اللاحقة التي يتصدرها كتاباه: "مدخل إلى علم النفس الاجتماعي ـ introduction to social psychology "
(1908) و"موجز علم النفس ـ outline of psychology "
(1923).
انطلق صاحب المدرسة القصدية من ضرورة تعميم الفائدة التي يمكن للدراسات السيكولوجية أن تقدمها لتشمل العلوم الاجتماعية والتاريخية والاقتصادية. فما دام علم النفس يتقصى حقيقة السلوك الإنساني في مختلف مواقف الحياة، فإنه لحري به أن يتناول خلفيات هذا السلوك وأصوله، كما يتناول أغراضه ومقاصده. وهو، حينما يتصدى لدراسة هذه الإشكالية، يكون قد أضاف قدرة جديدة إلى قدراته على التقدم والارتقاء، وأعطى للعلوم القريبة البعد النفسي الذي تحتاج إليه. فهذه العلوم لن تجد ما تبحث عنه في آليات نشاط الوعي، وإنما في معرفة الأسباب والعوامل التي تجعل الناس يتصرفون على هذا النحو أو ذاك في ظروف ومواقف معينة. إن السياسي والاقتصادي بحاجة إلى التعرف على القوى المحركة لسلوك الإنسان أو المجموعة البشرية وطريقة توجيه هذا السلوك.
وهكذا يبدو لمكدوغال أن على علم النفس أن يركز اهتمامه نحو الدوافع إذا ما أراد أن يكون علماً نافعاً ومتفتحاً. وعليه أيضاً أن يتخلى عن الاستبطان بسبب قصوره كمنهج للبحث عن إدراك مشتملات الجانب الدافعي وعلاقاتها بعضها ببعض وآليات عملها. يقول في كتابه: "مدخل...": "على علماء النفس أن يدعوا جانباً الفكرة العقيمة والضيقة عن عملهم، تلك الفكرة التي تعرفه بأنه علم الشعور... وأن يؤكدوا دعواه بأنه العلم الموضوعي للنفس بجميع وجوهها وطرائق عملها. إنه، كما أفضل أن أقول، العلم الوضعي للتصرف أو السلوك. على علم النفس ألا يعتبر الوصف الاستبطاني لمجرى الشعور كل مهمته. ولكن عليه أن يعتبر هذا الوصف جزءاً تمهيدياً من عمله. إن مثل هذا الوصف الاستبطاني وهذه(السيكولوجيا المحضة) عاجزة عن أن تكون علماً، أو على الأقل عاجزة عن الارتفاع إلى مستوى العلم التفسيري. إنها عاجزة بحد ذاتها عن أن تكون ذات قيمة ونفع للعلوم الاجتماعية التي تتطلب جميعها أساساً من علم النفس المقارن والفيزيولوجي الذي يعتمد الطرائق الموضوعية وملاحظة سلوك البشر..."(عاقل، 1981، 98).
وفي الحين الذي ينطلق فيه مكدوغال مع السلوكيين من مواقع الوضعية ويتفق معهم حول ضرورة إقصاء منهج الاستبطان، وتطبيق المنهج الموضوعي، يعترض على تفسيرهم الآلي للسلوك. ولم يخفِ موقفه هذا أو يخفف من حدته. وظل يدافع عنه من غير تردد أو حرج. فقد كتب عام 1930، يقول: "تعامى علماء النفس الأميركان قبل خمسة عشر عاماً عن أهم صفات النشاط البشري والحيواني وأخص خصائصه، ألا وهو توجه هذا النشاط نحو الهدف. لقد كان كلّ












عرض البوم صور فيصل العاصمي   رد مع اقتباس
قديم 08-11-2010, 03:01 AM   المشاركة رقم: 33
الكاتب
عضو أكاديمية علم النفس

المعلومات
المهنة: معلم علم نفس (أكاديمي)
التسجيل: Aug 2010
العضوية: 8938
الدولة: ابها
المشاركات: 278
بمعدل : 0.21 يوميا
التوقيت
الإتصال فيصل العاصمي غير متواجد حالياً


كاتب الموضوع : فيصل العاصمي المنتدى : قـاعـة : الـمـواضـيـع الـنـفـسـيـة الــعــامــة
افتراضي

عمل جسدي وكل وجوه الخبرة في نظرهم استجابات آلية للمثيرات.كما كان كل تعلم عبارة عن تحوير لهذه الاستجابات عن طريق إضافة استجابة إلى أخرى وفقاً لمبادئ الترابط الآلية"(عاقل، 1981، 260).
إن هذه الفقرة تبرز القصد أو الغاية كسمة جوهرية للسلوك الإنساني والحيواني التي دأب مكدوغال على تثبيتها والبرهان على أهميتها وقيمتها العلمية، مما جعلها عنواناً لنظريته. فأفعالنا وتصرفاتنا ـ كما يراها مكدوغال ـ لا تصدر عنا بصورة عشوائية أو عفوية، وإنما تتجه نحو هدف ما، كونها وسائل وأدوات تعين القوة الدافعية مادتها واتجاهها وقصدها. وهنا يتجلى أثر هانس دريش(1867 ـ 1941م) الذي هاجم الدعوات التي ظهرت في بداية هذا القرن، وجعلت من علم النفس علماً بيولوجياً. وذهب إلى القول بقوانين غير مادية مسؤولة عن نشوء الواقعة النفسية وتوجيهها.
لقد حدد مكدوغال موضوع علم النفس في أعماله المبكرة بأنه العلم الموضوعي الذي يدرس سلوك الفرد ويفسره بغية التحكم فيه وتكييفه مع المتغيرات الخارجية تكييفاً ناجحاً. والنشاط النفسي، عنده، هو طاقة من نوع خاص تحرك الفرد وتدفعه للقيام بفعل ما من شأنه أن يحقق هدفاً معيناً. ولذا فإن مهمة الباحث السيكولوجي، في هذه الحالة، تكمن في الكشف عن أسرار هذه الطاقة ومصادرها، والتعرف، بالتالي، على بنية النشاط النفسي ووظائفها. ومن خلال دراسة مكدوغال لهذه البنية وجد أنها تشتمل على جانبين رئيسيين: الجانب الدافعي، والجانب العقلي. واعتقد أن هذين الجانبين يعملان معاً على قاعدة الغرائز.
وتؤلف الغرائز حجر الزاوية في بناء مكدوغال النظري، وما تعنيه ضمن إطار هذا البناء يختلف إلى حد بعيد عما أوردته البحوث المتخصصة بشأنها. فقد قدم مكدوغال لها تفسيراً مغايراً لما قدمه غيره من العلماء، أمثال بافلوف وسبنسر وغيرهما ممن رأوا أن الغريزة هي سلسلة من الأفعال الانعكاسية المتصلة والمتعاقبة التي تكونت في الأزمنة السحيقة، وأصبحت منذئذ جزءاً من موروثات النوع والجنس.حيث اعتبرها دوافع أولية للسلوك. ووجد أن هذه الدوافع ليست حركات آلية تصدر عن الجهاز العضلي أو الحسي، أو حالة تصير إليها العضوية تحت تأثير المنبهات الخارجية، بل هي انفعال وعقل يجعل منها عملية فاعلة. ولذا فإنه ينظر إلى الفعل الغريزي على أنه "مفتاح فهم السلوك الإنساني"(mcdougall , 1923, 70).
وللتعبير عن الغرائز استعمل مكدوغال الكلمة اليونانية horme التي تعني الإثارة أو النزوع، مضفياً عليها صفة القصدية... فصارت تدل على الطابع القصدي الذي يكتسيه السلوك الإنساني. وفي ضوء ذلك تحدث مكدوغال عن وجود ثلاثة وظائف للغريزة: الوظيفة التوجهيّة، والوظيفة التنفيذية، والوظيفة الانفعالية. وتتمثل الأولى في استثارة المنبهات الخارجية للفاعلية، والثانية في قيام الفرد بالحركات والأفعال بقصد تعديل الموقف وإزالة العقبات. بينما يتولّى الانفعال الذي يحتل في هذا النظام موقعاً وسطاً بين التنبيه والفعل مهمة إيجاد النزوع المناسب.
وخلافاً لأصحاب النظريات الدافعية الأخرى الذين أقاموا نظرياتهم على وجود غريزة واحدة أو عدد قليل من الغرائز يعرض مكدوغال قائمة من الغرائز، بدءاً من غريزة البحث عن الطعام، وغريزة الجنس، وانتهاءً بالغريزة الاجتماعية، مروراً بغريزة الأبوة والأمومة، والفضول والضحك، والتملك والسيطرة والخضوع والهرب والمقاتلة. ووجد أن كل واحدة من هذه الغرائز تتألف من جانب إدراكي يمكن الإنسان من الإحساس بعناصر الموقف وتوجيه الانتباه نحوها، وجانب انفعالي يقرر النزوع، وجانب عملي يتجلى في الأفعال والحركات التي يقوم بها الإنسان تنفيذاً لذاك النزوع. فغريزة البحث عن الطعام تتضمن إدراك المرء الجائع للموضوعات الخارجية المختلفة وانتباهه إلى ما يصلح منها للأكل. كما تتضمن نزوعه إلى الطعام، وأخيراً كل ما يصدر عنه من استجابات لإحضاره وتناوله.
وتحدث مكدوغال كذلك عن انفعالات تستمد وجودها من الغرائز وتبقى ملازمة لها. فانفعال الجوع ينشأ عن غريزة البحث عن الطعام ويلازمها. وانفعال الرغبة الجنسية ينشأ عن الغريزة الجنسية ويلازمها. والانفعال الذي يولده الإحساس بالوحدة ينشأ عن الغريزة الاجتماعية، وهكذا...
وعلى الرغم من اختلاف مكدوغال مع الكثير من العلماء حول فهم الغرائز، فإنه يشاطرهم الرأي في تعيين محدداتها. حيث يؤكد أن الغرائز تصل إلى الإنسان من أسلافه عن طرائق الوراثة. وهو حين يتكلم عن دور الوراثة في تحديد الغرائز، فإنه لم يكن ليقصد الجانب الدافعي والانفعالي فقط، بل وقصد الجانب العقلي أيضاً. وليس في ذلك ما يدعو إلى التعجب، طالما أن العقل ـ كغيره من عمليات الذكاء ـ هو ـ في اعتقاده ـ "...". حالة من حالات النزوع الفردية"(mcdougall, 1923, 215).
ويشير مؤسس المدرسة القصدية في استدراكاته اللاحقة التي جاءت كرد على انتقادات العلماء له بشأن الغرائز وعلاقتها بالانفعال إلى التغيرات التي تطرأ على الجانبين: التوجهي(الإدراكي) والتنفيذي(الحركي) من الغريزة تحت تأثير التعلّم. ويبدو ذلك في اختلاف تجليات غريزة المقاتلة من طور إلى طور آخر. فإذا كان بالإمكان استثارة الطفل الصغير عن طريق كف حركته أو المماطلة في تلبية رغبته، فإن الحال مختلف بالنسبة للراشد. إذ أن استثارته تتم في غالب الأحيان عن طريق تحديه وتهديده بقيمه ومعتقداته. كما أن التعبيرات الخارجية لهذه الغريزة تتخذ أشكالاً متفاوتة تبعاً لخبرة الفرد. فهي تتمثّل عند الصغير في الصراخ والعض والسب والشتم. بينما تكون عند الكبير أكثر تنوعاً وتعقيداً..
ولئن كانت هذه التغيرات تمس الجانبين المذكورين من الغريزة، فإن الجانب الانفعالي يظل ثابتاً وبعيداً عن كل تأثير. فتطور أشكال وأساليب التعبير عن الانفعال لا يرافقه أي تغير أو تعديل في الانفعال ذاته. وإن ما نراه من اختلاف في هذا الشأن عند الطفل والمراهق والراشد هو، في اعتقاد مكدوغال، مجرد تعبير عن ظاهرة ثابتة وموروثة.
ويذهب مكدوغال إلى القول بأن الشروط الاجتماعية المتنوعة تؤثر في مجرى الغرائز وتغير من اتجاهها نحو موضوعاتها. وينشأ عن ذلك تداخل وتضافر بعضها مع البعض الآخر حول موضوع واحد. وبهذا يفسر تكون العواطف والمشاعر الوجدانية عند الفرد. فالأمومة والوطنية والصداقة وسواها من العواطف والنزعات الوجدانية التي يحملها بنو البشر ليست غريزة واحدة أولية، بل هي ثمرة التقاء وتقاطع عدد من الغرائز. ففي الصداقة تلتقي غرائز التجمع والمقاتلة والهروب من الخطر. حيث أن الإنسان يحس بالوحدة والفراغ حين يكون بعيداً عن أصدقائه، وبالخوف عندما يتعرض لأي تهديد أو عدوان. وفي الأمومة، تتقاطع غرائز الهروب من الخطر والمقاتلة والأبوة. فالأم تحنو على طفلها وتشعر بالخوف إذا ابتعد عنها، وتغضب لمجرد توهمها بأن خطراً ما سوف يداهمه، وتفرح لنجاحه وتحزن لإخفاقه. وهذا أيضاً هو حال الوطني الغيور على بلده. إنه يحس بالخوف عليه من أي تهديد أو خطر، ويغضب عندما يتعرض لأي سوء، ويعتّز بانتمائه إليه ويفخر بماضيه وحاضره ويشعر بالراحة حينما يفعل شيئا ًمن أجل مستقبله.
وعلى هذا الأساس يقيم مكدوغال وجهة نظره حول تكون الجانب العاطفي والوجداني عند الفرد. فالغرائز ، حسب رأيه، هي التي تولد العواطف والنزعات الوجدانية بأنواعها المختلفة ودرجاتها المتفاوتة. ويجد أن هذه الأخيرة تخضع أثناء تشكلها وتطورها إلى نظام هرمي، تتوضع العواطف الدنيا في قاعدته العريضة، وتحتل العليا قمته. ومن بين هذه العواطف يميز مكدوغال عاطفة اعتبار الذات self assertion التي تقع في رأس الهرم. ويخصها بدور استثنائي فيرى أن الجانب الخلقي للفرد يتوقف على طبيعتها واتجاهها وقوتها. وتتجسد الطبيعة السامية لهذه العاطفة في النزعة المثالية لدى الفرد الذي يتخذ من بعض الشخصيات التاريخية أو السياسية أو العلمية أو من المبادئ الفكرية أو الدينية نموذجاً له في العمل والسلوك.
إن ما كان يطمح إليه مكدوغال هو إقامة نظرية سيكولوجية جديدة تضع مبادئ علم النفس ومعطياته وقوانينه في خدمة العلوم المتاخمة له. ولقد أثار بما قدمه ردود أفعال كثيرة من جانب علماء النفس والاجتماع والاقتصاد. وكان منهم القليل من وقف في صفه وتحمس لنظريته. بينما راح الآخرون يشككون في أفكاره ويوجهون إليه أعنف الانتقادات، التي تركز جلّها حول الدور الريادي الذي تلعبه الغرائز في النظرية القصدية. ومع تسليم بعض النقاد بوجود غرائز فطرية عند الإنسان توجه سلوكه في المرحلة الأولى من حياته، إلا أنهم يرون أن دور هذه الغرائز سرعان ما يتراجع أمام ظهور الوعي وتشكل الدوافع التي يكتسبها الفرد في مجرى تفاعله مع محيطه الاجتماعي، وعندئذ يصير السلوك الإنساني خاضعاً لسلطان الوعي ويتحدد مساره ومقاصده بنوعية الدوافع المكتسبة وقوتها.
والحقيقة أن مكدوغال بتشديده على أهمية الغرائز الداخلية في الحياة النفسية وإنكاره للقوى الواعية حول الإنسان إلى كائن تحركه شحنات من الطاقة الموروثة نحو أهداف محددة سلفاً وسلبه إمكانيته على الاختيار.
وبصرف النظر عن هذه الاعتراضات الموجهة إلى النظرية القصدية، فإن الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن مكدوغال كان أحد رواد علم النفس الاجتماعي وعلماً من أعلامه. وهذا ما يدلل عليه انتشار آرائه في الأوساط العلمية داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها والمكانة الرفيعة التي احتلها مؤلفه "مدخل إلى علم النفس الاجتماعي". حيث بقي المرجع الأول لأجيال عديدة من الدارسين والباحثين.





الفصل الثامن عشر
فرويد والتحليل النفسي


لا نكاد نجد نظرية أو مدرسة سيكولوجية حظيت حتى الآن بمثل تلك المتابعة والشهرة اللتين حظي بهما التحليل النفسي. ولم تجد الأفكار والمفاهيم التي جاء بها علماء النفس من الانتشار والتداول مثلما وجدت المفاهيم والأفكار المرتبطة بهذه المدرسة. ولم يقتصر الاهتمام بالتحليل النفسي وانتشار مفاهيمه وأفكاره على الدوائر المختصة في علم النفس، بل تعدياها إلى الدوائر العلمية الأخرى ودوائر الفن والأدب. ووصل تأثير تعاليم التحليل النفسي في عقود خلت عبر تلك الدوائر إلى الأغلبية الساحقة من المثقفين والكثير من المتعلمين في أنحاء عديدة من العالم.
وأصبح علم النفس ـ لحسن طالعه أو لسوئه ـ يعرف من خلال مفاهيم التحليل النفسي وأفكاره.فلو حاولنا تقصي تصور الآخرين(المتعلمين منهم بطبيعة الحال) حول علم النفس وموضوعاته وميادين نشاطه، فإننا على الأرجح سوف نصل إلى ما يثبت صحة قولنا. وواقع الحال هو أن المهمة الأساسية لعلم النفس في تصور العامة من الناس تتمثل في معرفة ما يخفيه الإنسان في أعماقه من مشاعر وأفكار. والاسم الذي نتوقع أن يكون هؤلاء قد قرؤوا له أو سمعوا عنه أكثر من سواه في علم النفس هو اسم مؤسس التحليل النفسي.
فما هو التحليل النفسي؟ وكيف نشأ؟ ماهي قواعده وأصوله.؟ وماهي مادة اهتمامه وطرائقه وأدواته؟ وما موقعه في تاريخ علم النفس؟...
إن الإجابة على هذه الأسئلة تقتضي العودة إلى الجذور العلمية والفلسفية لتعاليم فرويد، مؤسس هذه المدرسة، واستعراض ظروفه الحياتية بغية التعرف على مكوناته الفكرية.
ولد سيغموند فرويد sigmund freud في 6 أيار(مايو)1856 في مدينة فرايبورغ في مقاطعة موارافيا من أبوين يهوديين. وكان والده يعقوب يشتغل في تجارة الصوف وبعد وفاة الزوجة الأولى تزوج الوالد من فتاة تصغره بعشرين عاماً تدعى أماليا ناتاتسون. فأنجبت له ثمانية أطفال، وهم على التوالي: سيغموند ويوليوس(الذي مات قبل بلوغه السنة الأولى) وحنّه وروزا وأدولفين ويولا والكسندر. وكان الابن الأكبر "سيغ" الذي بقي بالنسبة للأم، الأفضل والأقرب، يكن لها مشاعر الود والاحترام والمحبة. وينظر إلى والده المتسامح العطوف على أنه الرجل الأقوى والأغنى والأعقل.
ويحكي فرويد في مذكراته التي بدأ بها نشاطه التحليلي في التسعينيات أنه كان منذ طفولته الأولى يشعر بانتمائه إلى الأقلية اليهودية. ومما كان يعزز هذا الشعور الممتزج بالخوف هو الصوت المنبعث من جرس الكنيسة والذي كان يدوّي في أرجاء المدينة. فلم يكن أمامه لمقاومة هذه الحالة، كما يقول، إلا أن يلوذ بالنوم ويقضي على مخاوفه بالأحلام.
وفي عام 1859 غادرت أسرة فرويد فرايبورغ لتستقر نهائياً في فيينا. وفي الطريق إلى العاصمة النمساوية توقفت الأسرة لعدة أشهر في لايبزيغ. وينقل فرويد مشاهداته خلال هذه الرّحلة، فيتحدث عن القطار الذي رآه للمرة الأولى في حياته عندما كانت الأسرة متوجهة في عربة يجرها حصانان نحو لايبزيغ. وقد تحول القطار في السنوات الممتدة مابين 1887 و1898 إلى موضوع خوفه الذي تخلص منه بفضل التحليل النفسي وربطه إياه بالخشية من فقدان البيت المقترن بفقدان ثدي الأم. كما يتحدث عن قناديل الغاز التي رآها لأول مرة في مدينة برسلو عبر نوافذ القطار الذي أقلّ الأسرة من لايبزيغ إلى فيينا. وقد أعاده هذا المشهد إلى حكايات مربيته عن الأرواح والعالم الآخر. ومن الوقائع التي توقف عندها فرويد وأبرزها فيما بعد رؤيته لأمه وهي عارية خلال تلك الرحلة، ولما يتجاوز بعد الرابعة من عمره.
وعقب وصول الأسرة إلى فيينا وخلال الأعوام الدراسية التي قضاها "سيغ" في المدينة يسجل إرنست جونز كاتب سيرة فرويد خمس حوادث كان لها وقعها في وعي الصبي. فقد روت والدة فرويد ـ وتلك الحادثة الأولى ـ أن طفلها تقدم منها معتذراً بعد أن لوث كرسياً بيديه المتسختين ووعدها بتعويضه عندما يكبر ويصبح رجلاً مهماً. والحادثة الثانية نقلها فرويد نفسه. فقد كان "سيغ" في الخامسة من عمره حينما اشترى له والده كتاب "رحلة إلى بلاد فارس". ويربط تعلقه بالمطالعة وجمع الكتب بهذه الحادثة. ويعرض فرويد في الحادثة الثالثة اعتقاد والدته بأن الإنسان مخلوق من التراب. فمنه يأتي وإليه ينتهي. وأنها كانت تعرض أمامه الفتائل السود الصغيرة التي تنتج عن فرك يديها لكي تقنع صبيها بأنها ذرات من التراب الذي جبل الإنسان منه.
وتتضمن الحادثة الرابعة إصرار "سيغ" ذي السنوات السبع على أن يبول في غرفة والديه. وعندما فعل ذلك غضب والده وتحداه أن يكون له أي شأن في المستقبل. وقد أصبحت هذه الحادثة بعد ذلك موضوع حلم بقي يتردد على فرويد في نومه لسنوات طويلة مصحوباً بعناوين مؤلفاته، وكأنه يرد على تحدي أبيه. أما الحادثة الخامسة فتتمثل في أرق الصبي الصغير. وعندما رجع فرويد إلى هذه الحالة ليفسرها وجد أنها تحمل إشارات إلى رغبة آثمة.
ولعل ماكان يسمعه فرويد من أبويه حول نظرة المسيحيين المتعالية تجاه اليهود ومعاملتهم السيئة لهم يعد مصدراً لمشاعر الحقد والتحدي التي تكونت لديه وأضحت محركاً من محركات شخصيته. وتندرج قصة المسيحي الذي نزع القبعة من على رأس والد فرويد ثم ألقاها على الأرض ضمن هذا السياق. ويعلق فرويد على هذه القصة فيما بعد ويصف أثرها العميق في نفسه، وذهب إلى حد تشبيه موقف أبيه بموقف هاملقار الذي تحدى ابنه هانيبعل الرومان بسببه وقطع على نفسه عهداً بأن ينتقم له. وقد اعترف بأن شخصية القائد هانيبعل أخذت تحتل مكانة هامة في هواماته.
وبعد أن أتم فرويد دراسته الثانوية التحق بكلية الطب التابعة لجامعة فيينا عام 1873 تلبية لرغبة والده. أما هو فلم يكن لديه ميل نحو هذا الميدان. وكان يطمح في أن يكون عالماً، مدفوعاً برغبة لا تقاوم في التفوق والشهرة. وربما كانت شروط تكون هذا الدافع لديه مزيجاً من تقدير عال للذات وشعور جمعي بالاضطهاد الذي عانى منه أفراد الطائفة اليهوديةفي المجتمعات الأوربية آنذاك. فعقب دخول الجامعة تعزز شعوره بتمايزه من الآخرين وانتمائه الديني. وقد عبر عن حاله هذا بقوله: إنه(أي هذا الواقع) أهلّني لأن أكون في المعارضة.
إن هذه الإلماعات السريعة عن ظروف الدائرة الأولى التي نشأ فيها فرويد ليست كافية بالتأكيد لتقديم المنابع والمصادر التي نهل منها وأخذ عنها ما ساعده في صياغة نظريته. وهي، وحدها، تبدو قاصرة عن تحديد معالم هذه الحالة، بل وجميع الحالات الأخرى المشابهة، ولهذا فمن مستلزمات الكفاية البحثية أن نشير ـ زيادة على ما سبق ـ إلى الدوائر الأوسع وتفاعلها بعضها مع بعض، وعلاقتها بالظروف الخاصة لفرويد. ونعني بذلك الأجواء العلمية والفكرية التي كانت سائدة في تلك الفترة التي تمتد من أواسط القرن التاسع عشر حتى بداية القرن العشرين.
لقد نشأ فرويد في مرحلة قطعت الفلسفة والعلوم الطبيعية والاجتماعية إبانها أشواطاً بعيدة إلى الأمام. ولا أدل على ذلك من بروز أسماء كثيرة في دنيا الفلسفة مثل كانت وهيغل وشوبنهاور وهربارت وغيرهم. ومن ثم ظهور الأفكار التطورية، إذ صدر "أصل الأنواع" بعد ولادة فرويد بثلاثة أعوام. وفيه بسط داروين نظريته حول نشوء الأحياء وارتقائها، معتبراً الإنسان درجة عليا في سلم هذه العملية الكبرى ويخضع لقوانينها العامة, وبهذا تجاوز داروين التصورات السابقة التي تضع الإنسان في مملكة خاصة ومتميزة تماماً من عالم الحيوان.
وبعد عام من صدور كتاب داروين نشر فخنر "عناصر السيكوفيزياء" الذي كشف عن قدرة العقل البشري على دراسة ذاته دراسة علمية وقياسه قياساً كمياً، مخالفاً، بذلك، ماكان رائجاً حينذاك من أن موضوعاً كهذا لا يمكن أن يكون مادة للقياس.
ومن جهة أخرى، عرف النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهور نظريات في الكيمياء، وولادة فروع جديدة للفيزياء وعلوم الأحياء. ففي مطلعه انتهى هيلمهولتز إلى وضع قانون "حفظ الطاقة وتحولها" الذي أصبح أساساً للترموديناميك.
وبعد سنوات بدأ غريغور مانديل(1822-1884م) بإجراء تجاربه على بعض الفصائل النباتية(البازلاء) لتحديد صفاتها الموروثة، ومعرفة قوانين انتقال تلك الصفات من جيل إلى جيل. وكان لها الفضل في إرساء دعائم علم الوراثة.
وإذا كان لهذه الأعمال أثر غير مباشر في منظومة فرويد الفكرية، فإن ثمة أعمالاً أخرى تركت آثاراً مباشرةً وملموسةً عبر مسيرته الدراسية والعلمية. فالهيئة التدريسية في كلية الطب التي درس فيها فرويد كانت تضم عدداً من الأساتذة الأكفاء. ومن بينهم إرنست بروك، صاحب مدرسة في فيزيوكيمياء العمليات الفيزيولوجية عند الإنسان والحيوان.
وقد نشر بروك كتاباً بعنوان "محاضرات في الفيزيولوجيا" عام 1874، أي بعد عام واحد من دخول فرويد إلى الكلية، ضمنه فكرته عن الكائن الحي باعتباره نظاماً من الديناميات، تخضع لنفس القوانين التي تخضع لها الظواهر الكيميائية والبيولوجية.












عرض البوم صور فيصل العاصمي   رد مع اقتباس
قديم 08-11-2010, 03:01 AM   المشاركة رقم: 34
الكاتب
عضو أكاديمية علم النفس

المعلومات
المهنة: معلم علم نفس (أكاديمي)
التسجيل: Aug 2010
العضوية: 8938
الدولة: ابها
المشاركات: 278
بمعدل : 0.21 يوميا
التوقيت
الإتصال فيصل العاصمي غير متواجد حالياً


كاتب الموضوع : فيصل العاصمي المنتدى : قـاعـة : الـمـواضـيـع الـنـفـسـيـة الــعــامــة
افتراضي

لقد أعجب فرويد بأستاذه، ولفتت نظريته الجديدة انتباهه، وحفزته على التفكير في إمكانية تطبيقها على النفس الإنسانية. وربما كان هذا أحد العوامل التي قادته لتأسيس علم النفس الدينامي الذي يدرس تحولات الطاقة وانتقالها من حال إلى آخر داخل الشخصية.
وبعد أن تخرج فرويد من كلية الطب عام 1881 لم يمارس مهنة الطب، وآثر مواصلة البحث في مخبر بروك حتى عام 1882. وهو العام الذي تعرف في الشهر السادس منه على مارتا برنايز. وقد حملته علاقته بها على التفكير الجدي بتأمين مورد مالي. فاضطر إلى التراجع عن موقفه، وبدأ بممارسة الطب عملاً بتوجيهات بروك وتشجيعاته، فاشتغل كطبيب متمرن في قسم الجراحة في مستشفى فيينا لمدة شهرين فقط. ثم انتقل إلى قسم الصحة العامة الذي كان يترأسه الأستاذ غ. نوتناغل. وبقي فيه ستة أشهر تحول بعدها إلى قسم الأمراض العقلية الذي كان يشرف عليه الأستاذ ت.مينيرت(1833-
1892م) الاختصاصي في تشريح وفيزيولوجية الدماغ، وصاحب نظرية أولوية "الأنا" باعتباره وعياً جسمياً متميزاً عن الوعي الذي طابقه الفلاسفة وعلماء النفس مع تصورات الذات عن العالم الخارجي. وربما كان بعض المؤرخين على حق حين قابلوا مفهوم اللا وعي الفرويدي ومفهوم أولوية الأنا عند مينيرت. وأخيراً انتقل فرويد إلى قسم الأمراض الجلدية ليوجه اهتمامه أثناء عمله فيه إلى الأمراض الزهرية.
لقد كانت دراسات فرويد التي نشرها حتى عام 1885 تتركز حول: "مشكلات التشريح المقارن وتحديد وظائف الدماغ"، و"الحبسة aphasie" و"الاضطرابات البصرية". وتميزت جميعها، حسب آراء المختصين وقتذاك، بأصالتها ودقة تقنياتها، الشيء الذي عكس سعة اطلاع صاحبها ومرونة تفكيره، علاوة على إصراره الشديد وطموحه القوي.
وفي تلك الأثناء أدخل فرويد الشاب مصطلح "العمه aghosie" ليعبر به عن حالة من حالات الاضطراب الحسي البصري. وهي الحالة التي يبدي المصاب فيها عجزاً عن تمييز أشكال الموضوعات الخارجية. واهتم فرويد أثناء عمله في المستشفى أيضاً بخصائص الكوكائين، وبإمكانية الإفادة منه في العمليات الجراحية. ولكنه لم يواصل بحثه هذا حتى النهاية. وحينما سمع بنبأ توصل أحد الباحثين إلى الكشف عما كان يسعى إليه بعث إلى خطيبته مارتا برسالة في 21/4/1884 أنحى فيها باللائمة عليها وحمل بعدها عنه مسؤولية إخفاقه العلمي.
وفي خريف عام 1885 سافر فرويد إلى باريز في بعثة علمية. وهناك قضى عاماً كاملاً اطلع خلاله على أفكار شاركو مباشرة. ويصف لنا جونز حالة الضياع التي كان فرويد يكابدها في الأيام الأولى من وجوده في مستشفى سالبتريير بسبب العدد الكبير والنوعية الممتازة للطلبة الذين قدموا من عدد من بلدان العالم للاستماع إلى الطبيب الفرنسي والتعرف على طريقته في العلاج.
وللتغلب على هذه الحالة البائسة حاول فرويد التقرب من شاركو، فعرض عليه القطع المجهرية المرصعة بالفضة والتي ابتكرها في فيينا وأحضرها معه إلى باريز. ولكن شاركو لم يعر تلك المعروضات الاهتمام الذي كان ينشده فرويد. فما كان من فرويد إلا أن اقترح عليه ترجمة محاضراته إلى اللغة الألمانية. فقبل شاركو هذا العرض. وكان لفرويد ما أراد.
إن رغبة فرويد في التقرب من شاركو تجسد إعجابه الشديد بشخصيته وتأثره القوي بأفكاره. وهذا ما أبرزه في إحدى رسائله المؤرخة في 24/11/1885، حيث قال: "إن شاركو من أعظم الأطباء. وهو يقضي وبكل بساطة على كل أهدافي وآرائي. إنني أخرج من محاضراته أحياناً كما لو كنت خارجاً من كنيسة نوتردام مع فكرة جديدة تماماً عن الكمال... هل ستعطي البذرة ثمرة؟ لست أدري... وكل ما أعرفه هو أنه مامن إنسان أثر علي بهذه الطريقة".
وللتذكير فإن شاركو كان يهتم بالأمراض الهستيرية وبمعالجتها. وكان قادراً على إحداث أعراض الهستيريا بواسطة التنويم المغناطيسي. مثلما كان قادراً على إحداثها والقضاء عليها عن طريق الكلام بعيداً عن ممارسة أي ضرب من ضروب السحر أو الشعوذة. وربما تكون محاضراته وعروضه قد أوحت لفرويد بوجود منطقة أو ساحة نفسية معزولة تماماً عن الوعي.
عاد فرويد إلى فيينا عام 1886 وهو مزود بالكثير من الانطباعات والأفكار المبعثرة وغير الواضحة، زيادة على طريقة التنويم المغناطيسي التي تستخدم في علاج الأمراض الهستيرية. وفي أيلول(سبتمبر) من العام نفسه تزوج من مارتا. واستمر في عمله كطبيب للأمراض العصبية، معتمداً، هذه المرة، على التنويم المغناطيسي والطريقة الكهربائية. إلا أنه سرعان ما تبين له ضعف فعالية التنويم المغناطيسي، وصعوبة تطبيقه على جميع المرضى. فقد وجد أن هناك من بين المرضى من لا يخضع لسيطرة المعالج وإيحاءاته. يضاف إلى هذا أن المعالجة بهذه الطريقة لم تثبت نجاعتها حتى في بعض الحالات التي تتوفر فيها إمكانية تنويم المريض. ولحل هذه المشكلة قرر فرويد الاستعانة بأصحاب الخبرة والعودة ثانية إلى فرنسا. وفي عام 1889 سافر إلى نانسي للقاء برنهايم ولييبو والتعرف على نتائج نشاط مدرستهما في التنويم المغناطيسي. وهناك علم أن هذه الطريقة تحقق نجاحاً لدى استعمالها مع المرضى الذين ينتمون إلى الطبقة الفقيرة. بينما لا تحقق هذا القدر من النجاح مع المرضى الأغنياء بسبب صعوبة تنويمهم.
وهكذا خاب أمل فرويد، ورجع إلى فيينا وهو يفكر في كيفية مواجهة مستقبله العلمي والعملي. على أن حيرته لم تدم طويلاً، إذ تعرف على جوزيف بروير j.breuer(1841 ـ 1925م)، أحد أطباء فيينا وصديق الفيلسوف النمساوي ماخ. وبدأ نشاطاً مشتركاً معه.
وكان بروير قد استهل عمله في ميدان الفيزيولوجيا، ثم تحول إلى الطب. وتسنى له الإشراف على معالجة مرضى الهستيريا بطريقة قريبة من التنويم المغناطيسي. وفي الوقت الذي اتفق فيه مع فرويد على العمل معاً، كان بروير يحاول إدخال بعض التعديلات التقنية على طريقته لمعالجة فتاة في الحادية والعشرين ربيعاً تعاني من أعراض هستيرية تدعى برثا بابنهايم. وكانت هذه الفتاة(التي عرفت في أدبيات التحليل النفسي باسم آنا) تعاني من تصلبات جسدية وخدر في طرفيها الأيمنين واضطرابات بصرية وصعوبة في حفظ الرأس بصورة مستقيمة وحالات غيبوبة. وقد ظهرت هذه الأعراض لديها بصورة تدريجية بعد مرض أبيها الذي كانت تكن له كل المحبة، وتحيطه بعناية ورعاية فائقتين. وحينما شرع بروير بمعالجتها طلبت منه أن يفسح لها المجال كي تبث له همومها وتفضي عما في داخلها أثناء نومها الاصطناعي. فقبل بروير اقتراحها. وحتى نهاية الجلسة العلاجية كانت آنا قد استطاعت أن تستعيد الوقائع والأحداث المتصلة بماضيها العاطفي، والتي كانت تظن أنها أصبحت في طي النسيان. فأعربت عن ارتياحها وامتنانها.
وبعد فترة قصيرة لاحظ بروير أن صحة المريضة قد تحسنت بدرجة مقبولة، مما جعله يعتقد أن نجاعة الطريقة الجديدة تكمن في كونها تساعد المريض في استحضار الأحداث التي كانت سبباً في ظهور الأعراض المرضية، وتمكنه من أن يعيشها بانفعالاته. ومذ ذاك صار التحدث أثناء التنويم الطريقة المفضلة عند بروير وفرويد. ولقد حقق الرجلان بعض النجاح بفضل هذه الطريقة التي أطلق عليها بروير الطريقة التطهيرية(التطهير catharsis كلمة يونانية استخدمها أرسطو ليعني بها "تطهير أو تنقية" الروح من الانفعالات العنيفة التي تنشأ عن إدراك التراجيديا)، ونشرا كتاباً مشتركاً بعنوان "دراسات حول الهستيريا" عام 1895. ويعد هذا العمل الثاني من نوعه بالنسبة لفرويد. حيث أنه كان قد كتب مجموعة من المقالات حول ايثولوجيا الهستيريا. ونشرها في المجلة الطبية ا لفييناوية خلال عام 1891.
ولم يمضِ عامان على تعاون بروير وفرويد حتى قرر الأخير التخلي عن التنويم المغناطيسي بسبب استحالة تنويم جميع المرضى، وصعوبة الوصول بالمريض المنوّم إلى المستوى الذي يجعله يستعيد مشاعره العميقة.
وبعد ذلك بقليل، وبالضبط في عام 1894 نشب خلاف بين الشريكين، وتبين، فيما بعد، أن سببه راجع إلى الاضطراب الذي تشهده علاقة الطبيب بالمريض في مرحلة من مراحل العلاج وموقف كل منهما إزاء هذه الواقعة. ففرويد يرى أن حب المريضة للطبيب وتعلقها به يعود إلى الأسباب الجنسية التي أدت إلى ظهور الأعراض المرضية. ويعتقد أن المريضة في موقفها هذا إنما تتخذ من الطبيب موضوعاً بديلاً عن موضوع حبها الأول. فهي تنقل حبّها من شخص(غالباً ما يكون أحد المحارم) إلى الطبيب. وقد دعا فرويد هذه العملية بالنقل أو التحويل transfert واعتبرها لحظة هامة ومفيدة في العلاج النفسي. بينما عارض بروير هذا التفسير بشدة، واعتبر موقف مريضته هذا خطراً لا يجوز الاستخفاف بعواقبه السيئة على صعيد النشاط العلاجي وأخلاق المهنة.
ولما لم يتمكن أي من الطرفين من إقناع الطرف الآخر بصواب موقفه، حدث الانشقاق وطويت صفحة التعاون بين الصديقين. واستمر فرويد في عمله مستخدماً طريقة نانسي الإيحائية المتمثلة في استلقاء المريض على السرير واسترخائه، ثم قيام الطبيب بوضع يده على جبين المريض وحثه على التذكر... وبقي الحال هكذا إلى أن أبدت إحدى مريضاته(وهي أيمس فون.ن. التي عرض حالتها في "دراسات حول الهستيريا) رغبتها في أن لا يقاطعها بأسئلته ويدعها تسترسل في استرجاع ذكرياتها الدفينة بالشكل الذي تريده دون تدخل من جانبه. وحالما تحقق لها ما طلبته لاحظ فرويد أنها تسرد أحداثاً وتعبر عن انفعالاتها ومشاعرها أثناء وقوع تلك الحوادث بصورة لم تكن متيسرة له أثناء استخدامه لتقنيات الإيحاء. وهذا ما شجعه على الاقتناع شيئاً فشيئاً بجدوى الأسلوب الجديد وبقيمته في تخليص المريض من انفعالاته السلبية، وأخيراً بضرورة الاعتماد عليه. وبذا يكون فرويد قد خطا خطوة هامة نحو طريقة التداعي الحرّ free association.
ووفقاً لهذه الطريقة أصبح فرويد يطالب مرضاه بسرد كل ما يجول في نفوسهم ويخطر ببالهم دون تردد مهما بدا لهم سخيفاً أو غير ذي بال. وآية ذلك أنه كان يعتقد بأن إجراء كهذا من شأنه أن يخفف من الرقابة على الصور أو الأفكار التي ترد إلى وعي المريض.
ومما استدعى انتباه فرويد أثناء تطبيقه لطريقة التداعي الحر هو أن معظم مريضاته كن يرجعن إلى مراحل حياتهن الأولى ويسردن وقائع تعرضن فيها إلى إغراء الكبار أو مهاجمتهم لهن. ولئن وقع فرويد تحت تأثير شاركو وبروير في نشاطه المبكر وأرجع الأمراض الهستيرية إلى صدمات عاطفية يتلقاها المرء في طفولته، فإن المعطيات الجديدة جعلته يقتنع بأن الإغراء الجنسي أو الهجوم الذي تتعرّض له البنت من قبل أبيها أو أخيها الكبير أو أحد أقاربها هو الحدث الذي يولد الهستيريا. واعتقد أن في هذا الربط يكمن الحل السليم والنهائي للمرض. وراح يتأهب للإعلان عن اكتشافه في صورة نظرية حول الهستيريا. غير أن التحليل الذاتي الذي مارسه فرويد مع نفسه أظهر أن الوقائع التي يرويها المرضى أثناء جلسات العلاج هي أقرب إلى الخيالات والهوامات منها إلى الحقائق. ولا أساس لها في الواقع، إلا أساس رغبة المريض ذاتها بذلك. وبالاستناد إلى هذه الاستنتاجات يمكن القول بأن إيجاد "قنوات" لتسرب الأفكار السلبية المكبوتة واستدعائها بغية تطهير نفس المريض وتنقيتها هو تدبير يقوم على تصور أن الأفكار والمشاعر التي ترافق عدم إشباع رغبة ما أو تنجم عنه لا تزول، وإنما تزاح أو تُكبت في اللاوعي ويستمر تأثيرها على المرء مما ينجم عنه ظهور اضطرابات في سلوكه لا يعرف عن سببها أو مصدرها أي شيء.
لقد أصبح هذا التصور جزءاً هاماً من نظرية التحليل النفسي. وعلى أساسه طرح فرويد مفهوم اللاوعي الذي يعد حجر الزاوية في بناء هذه النظرية. وهو ما يمكن اعتباره تحولاً نوعياً ومنعطفاً حاسماً في المسار العلمي لفرويد. ذلك أن المفاهيم والمصطلحات التي كان يستخدمها في الأعوام الأولى لوصف الأمراض العصابية لم تخرج عن الإطار العلمي المألوف. وقد يكون مؤلفه "مشروع سيكولوجيا علمية"(*) الذي خصصه لعرض آرائه في النشاط العصبي المركزي وآلياته بوصفها أساساً لتشكل الوظائف النفسية، آخر محاولة تنحاز إلى الجانب الطبيعي في تفسير مظاهر السلوك الإنساني. أما الجانب أو الخيار الثاني الذي كان مطروحاً على علم النفس فيتمثل في فصل الوعي عن كل ماهو مادي وطبيعي. ومعنى ذلك أن دراسة الوعي يجب أن تتم بمعزل عن عضوية الإنسان، حامل هذا الوعي.
وما حدث بالفعل هو أن فرويد تخلى عن خياره الأول ليأخذ بالخيار الثاني، ويصبح أحد أبرز ممثليه في علم النفس. ومن المنطقي أن يطرح سؤال عن الأسباب التي دفعت فرويد إلى القيام بهذه الخطوة. وعند الإجابة على هذا السؤال يلتفت البعض إلى العوامل الذاتية ليجد أن تلك الأسباب تكمن في معاناة فرويد الشديدة، وخاصة بعد انفصاله عن بروير وموت أبيه وإصابته بالاكتئاب depression والحالات العصبية المتوترة التي دفعته إلى القيام بتحليل ذاتي يومي لأحلامه وذكرياته طمعاً في استعادة التوازن والاستقرار. وليس من المستبعد أن يملك هذا التفسير نصيباً من الحقيقة. فالظروف الحياتية للإنسان تؤثر على نحو ما في علاقاته واتجاهاته وميوله. ولكنها أياً كانت الحالة، ليست إلا جزءاً من عوامل كثيرة ومتنوعة ومتداخلة. وأن أثرها لا يكون واضحاً إلا عبر تفاعلها مع تلك العوامل. ولهذا فإن الاكتفاء بها في تفسير مجمل نشاطات الفرد وتقييمها يبعد المرء عن الموضوعية والتاريخية.
لقد أشرنا إلى التقدم الذي حققته الميادين العلمية والفكرية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كما أشرنا إلى اتصالات فرويد وعلاقاته المباشرة وغير المباشرة بغيره من الأطباء ورجال الفكر. وكان لكل ذلك أثره الكبير في بلورة خطه الفكري وتصميمه على نشره والدفاع عنه.
وتبدو ظروفه الذاتية التي يتحدث عنها مؤرخوه جزءاً بسيطاً من النسيج المعقد لشخصيته الذي ألّفت قراءته الفلسفية ومطالعاته الأدبية والفنية ومواكبته للتطورات العلمية جزأه الأكبر والأهم بما اتخذه من أشكال وما اصطبغ به من ألوان. ولعلنا نجد في أعمال فرويد ما يعكس اهتماماته المتنوعة. فقد كتب في التشريح والفيزيولوجيا، كما كتب في الأدب علاوة على ما كتبه في التحليل النفسي. وعلى الرغم من اشتغاله بالطب والتشريح والأعصاب حوالي خمسة عشر عاماً، فإنه كان ينزع إلى المعرفة الفلسفية بفعل اهتماماته المتشعبة. وقد عبر عن هذه النزعة في رسالة بعث بها إلى أحد أصدقائه عام 1896. ومما جاء فيها قوله: "لم أكن كشاب أتمنى شيئاً أكثر من المعرفة الفلسفية. وأنا الآن في طريقي إلى تحقيق هذه الأمنية بالانتقال من الطب إلى علم النفس" (هال، 1970 ،20).
أراد فرويد منذ صباه أن يدرس الطبيعة والحياة عملاً بالدعوة التي وجهها الشاعر والمفكر الألماني. إ.غوته باسم الطبيعة الأم إلى جميع أبنائها لكي يكشفوا عن أسرارها ويفهموا ألغازها. واقتحم ميدان الطب والعلم الطبيعي أملاً في أن يصبح عالم طبيعة. ولكن طموحه في التعرف على كَنْه الحياة اصطدم بمحدودية فعالية الأجهزة والأدوات التي كان أقصى ما تمده به هو البنية الدقيقة للعضوية. ولم يكن بمقدورها أن تضع أمامه حقائق ذات صلة بتلك العضوية، ونعني إدراك أبعاد الوقائع النفسية. ومع إصراره على تحقيق طموحه كان عليه أن يتخلى عن تلك الأجهزة والأدوات، ويلجأ إلى استخدام أجهزة وأدوات أخرى يفترض(إن لم نقل يسلم بـ) كفاءتها وتناسبها مع خصوصية الميدان الجديد وتميز موضوعاته.
ولم يخف فرويد إخفاقه في المرحلة الأولى من عمله العلمي. فهاهو يعود إليها عام 1927 ويذكر معاناته وصراعه الداخلي وما آلت إليه أوضاعه وقتذاك: "لقدبدا لي أن أكثر الوسائل امتلاءً بالأمل في إنجاز هذه الغاية أن أدفع بنفسي إلى كلية الطب. بيد أنني في ذلك الحين زاولت ـ بالفشل ـ علم الحيوان والكيمياء، إلى أن استقر بي المطاف أخيراً ـ بفضل "بروك" الذي حمل أكثر من أي إنسان آخر في حياتي كلها أكبر العبء ـ عند الفيزيولوجيا. إلا أنها كانت في تلك الأيام محصورة أكبر انحصار في تشريح الأنسجة"(هال، 1970، 20). ويكتشف فرويد عام 1890 أن مكانه الأنسب ليس في الفيزيولوجيا، وإنما في علم النفس. كتب إلى أحد أصدقائه يقول: "لقد كان علم النفس هو الهدف الذي يلوح لي من بعيد"(هال، 1970، 21). وما إن مضت سنوات قليلة جداًحتى بدأ، بالفعل، مسيرته السيكولوجية التي استمرت أكثر من أربعين عاماً.
دأب فرويد على التسلل إلى الطبقات العميقة من النفس الإنسانية مقتفياً المسالك والشعاب التي تنضح عبرها ذكريات مرضاه حينما كان يطلق العنان لتداعياتهم في جلساته الطويلة والمتكررة معهم. وأيقن بفضل معطيات العمل التحليلي أن ثمة قوى نفسية باطنية وخفية تعمل بشكل دينامي ودائم مسببة متاعب للشخص، تتجسد في اضطرابات عضوية وسلوكية. ولقد دفعته ملاحظاته العيادية ومطالعاته ومناقشاته مع ذوي الخبرة والاختصاص إلى الاعتقاد بأن هذه القوى غالباً ما تكون لا واعية.
وجاءت أعماله اللاحقة لتعزز اعتقاده بأهمية القوى اللاواعية وإبراز دور اللاوعي في حياة الفرد. ومنذ السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر أصبح اللاوعي ومكنوناته الموضوع المركزي للتحليل النفسي. وإليه نقل فرويد كل اهتماماته مجسداً التأملات الفلسفية عنه في واقع ذي أبعاد وحدود ومقومات، متجاوزاً وجهات النظر الرامية إلى البحث عن أسباب الأمراض النفسية في المحيط الذي يحيا فيه المريض ليدعم الرأي القائل بضرورة الكشف عن تلك الأسباب داخل الذات، وبالتحديد في اللاوعي. وقد عبر عن هذا الموقف بوضوح حين قال: "إن جميع العمليات النفسية في جوهرها لاواعية... وإن العمليات الواعية تقتصر على بعض مظاهر نشاطنا النفسي فقط"(فرويد،
1923، 28). وأكده في مكان آخر بقوله: "إن التحليل النفسي لا يمكنه أن يقبل الرأي الذي يذهب إلى أن الشعور هو أساس الحياة النفسية، وإنما هو مضطر إلى اعتبار الشعور كخاصية واحدة للحياة النفسية. وقد توجد هذه الخاصية مع الخصائص الأخرى للحياة النفسية أو قد لا توجد"(فرويد، 1985، 25).
إن وجهة نظر فرويد هذه تخالف كل ماعرفه علم النفس حتى تاريخ الإفصاح عنها، بل وبعده(باستثناء أتباع فرويد طبعاً!).. فالنفس بموجبها ـ تتألف من ساحتين: الوعي واللاوعي.
وفي حين يغطي الوعي مساحة صغيرة من النفس، يحتل اللاوعي المساحة الأكبر والأهم. وقد شبه فرويد النفس الإنسانية بجبل جليدي، مايخفى منه أضخم وأعظم مماهو ظاهر بكثير. واللاوعي، فوق ذلك كله، هو، برأي فرويد، جوهر النفس والأصل الذي يتكون منه الوعي تدريجياً مع تقدم الطفل في السن..
وتكمن أهمية اللاوعي، بالنسبة لفرويد، في أنه مستودع الطاقة والانفعالات والأفكار التي يكبتها الإنسان منذ طفولته دون أن يعرف عن مكبوتاته أي شيء ليس بسبب وهن ذاكرته أو ضعف قدرته على التركيز والاستعادة، وإنما بسبب وجود قوى معينة تقاومها وتمنعها من الظهور في الوعي. فاللاوعي مغلق تماماً على الوعي رغم ما يتسم به من دينامية، يعتبرها فرويد مسؤولة عن ظهور تلك الانفعالات والأفكار من حين لآخر على شكل اضطرابات في حركات المريض وإدراكاته وتذكره. وهنا يطرح فرويد مفهومين أساسيين وضروريين لفهم آلية نشوء الأعراض المرضية والتخلص منها، وهما "الكبت" و"المقاومة". فالكبت يدل على حالة الانفعالات والأفكار في اللاوعي. والمقاومة هي القوة التي تحول دون انتقال تلك الانفعالات والأفكار إلى الوعي. ويتبوأ الكبت مكانة هامة في نظرية فرويد. وفي هذا يقول:"إننا نستمد مفهومنا عن اللاوعي من نظرية الكبت، ونعتبر المكبوت نموذجاً للاوعي"(فرويد، 1985، 28).
ويتضمن اللاوعي الفرويدي معنيين: الأول وصفي، والثاني دينامي. فالمكبوت، بالمعنى الأول، يستطيع أن يصبح شعورياً. ولكنه، بالمعنى الدينامي، يعجز عن ذلك لوحده. وقد أطلق فرويد على المستوى الأول مفهوم "ماقبل الوعي"












عرض البوم صور فيصل العاصمي   رد مع اقتباس
قديم 08-11-2010, 03:01 AM   المشاركة رقم: 35
الكاتب
عضو أكاديمية علم النفس

المعلومات
المهنة: معلم علم نفس (أكاديمي)
التسجيل: Aug 2010
العضوية: 8938
الدولة: ابها
المشاركات: 278
بمعدل : 0.21 يوميا
التوقيت
الإتصال فيصل العاصمي غير متواجد حالياً


كاتب الموضوع : فيصل العاصمي المنتدى : قـاعـة : الـمـواضـيـع الـنـفـسـيـة الــعــامــة
افتراضي

وأبقى على مفهوم "اللاوعي" ليعبر به عن المستوى الثاني.
ولقد كان على فرويد أن يصمد أمام النقد العنيف الذي ووجهت به نظريته عن اللاوعي والدور الكبير الذي أسنده إليه. وتضمن هذا النقد إحدى الإشكاليات التي وقف أمامها الفلاسفة الذين تطرقوا إلى الجانب اللاوعي من الحياة النفسية دون أن يجدوا حلاً منطقياً، مقنعاً لها. وتتعلق هذه الإشكالية بما إذا كان بوسع المرء أن يتحدث عن أمر ما ليس بمتناول إدراكه. فما دام اللاوعي مستعصياً على الوعي، فهل يمكن تحديد أبعاده ومعرفة محتواه؟ أو حتى التكهن أصلاً بوجود تصورات لا واعية؟
وإذا وجد معظم الفلاسفة قبل فرويد أن الإجابة على هذا السؤال بالإيجاب تشكل تناقضاً صارخاً وفضل هؤلاء أن يسلكوا مسلكاً آمناً بالإجابة عليه بالنفي مع الاكتفاء بالإشارة إلى وجود بعض الوقائع النفسية التي لا يعيها الإنسان بصورة جيدة، فإن فرويد حزم أمره وأعلن عن وجود اللاوعي وإمكانية التعرف عليه بعد نقل محتواه أو بعضه إلى الوعي بطرائق وتقنيات جديدة ومختلفة عن تلك التي ألفها الباحث في علم النفس. وقد اهتدى إليها عبر الممارسة العيادية وعمل على تهذيبها وتعديلها لتتناسب مع مهماتها الخاصة. ويعزو سبب نفي الآخرين لوجود منطقة اللاوعي إلى جهلهم بتلك الطرائق والتقنيات. وبهذا المعنى يقول: "يرى معظم الناس الذين تعلموا شيئاً من الفلسفة أن فكرة وجود أي شيء نفسي دون أن يكون شعورياً أيضاً إنما هي فكرة لا يمكن تصورها على الإطلاق، بل إنها تبدو لهم أمراً محالاً وغير مقبول أصلاً من الناحية المنطقية، وإني أعتقد أن ذلك يرجع فقط إلى أنهم لم يدرسوا مطلقاً الظواهر المناسبة الخاصة بالتنويم المغناطيسي والأحلام، وهي ظواهر تستوجب هذه النتيجة بصرف النظر عن دلالتها المرضية. وهكذا نرى أن علم النفس الذي يقتصر على دراسة الشعور لا يستطيع حل مشكلتي الأحلام والتنويم المغناطيسي"(فرويد، 1985، 25، 26).
ونستخلص مما تقدم أن مؤسس التحليل النفسي ركز جهوده على نقل المكبوتات من اللاوعي إلى الوعي، فمن شأن هذه العملية تخليص الفرد من معاناته المرضية أو التخفيف منها إلى الحد الذي يصبح معه قادراً على استئناف حياته ونشاطه بصورة عادية. ويتطلب القيام بذلك وجود طرف آخر هو الطبيب. لأن ماهو مكبوت لا يستطيع بذاته ومن غير الكثير من العناء والتعب أن ينتقل إلى الوعي. وبالإمكان تصور مدى صعوبة المهمة التي يضطلع بها الطبيب. فعليه أن يمكن المريض عبر العديدمن الجلسات من استعادة الوقائع والأحداث الدفينة في اللاوعي بجزئياتها وتفصيلاتها. وهو، حين يقوم بذلك، إنما يعمل على إضعاف المقاومة وإزالة حواجز الرقابة المفروضة على المكبوتات ليسهل تسربها إلى سطح الوعي. يقول فرويد: "تنطوي الحياة على قسط وفير من الرمزية...ويوم أخذت على عاتقي أن أخرج إلى النور ما يخبئه الناس دون أن ألجأ إلى وسيلة التنويم المغناطيسي القاهرة، ومستعيناً فقط بما يقولونه وما يبدر عنهم، كنت أتصور هذه المهمة أعسر مما هي عليه في الواقع. فمن له عينان ليرى وأذنان ليسمع يتبين أن بني الإنسان لا يستطيعون أن يكتموا سراً. فمن تصمت شفتاه يثرثر بأطراف أنامله. فهو يشي ما بنفسه بكل مسام جسمه. لهذا السبب نرى أن مهمة إخراج أخفى خفايا النفس إلى نور الشعور مهمة قابلة تماماً للتحقيق"(فرويد، 1981، 91).
ولما كانت المقاومة خاصية اللاوعي، فإنها لا تكف عن أداء دورها في حالتي اليقظة والنوم دون أن يدركها الفرد أو يعترف بوجودها حتى ولو أُعلم بذلك. ومع هذا فإن الأفكار والمشاعر المكبوتة تتخذ صوراً ومظاهر مقنّعة وتناور الرقابة الصارمة وتفلت منها وتتسلل إلى الوعي كما هو الحال في زلات القلم واللسان والنسيان والنكتة والأحلام. وينظر فرويد إلى الحالة الأخيرة، أي الأحلام، باعتبارها درباً"... من الدروب التي يمكن أن تسلكها إلى الوعي تلك المادة النفسية التي جرى كبتها لما يثيره مضمونها من نفور، والتي حجز عليها خارج الوعي"(فرويد، 1981، 19 ، 20).
ومن هذا المنظور اهتم فرويد بالحلم وتحليل مضمونه ليصل إلى تلك الأفكار والمشاعر التي يرتبط بها ويعبر عنها. فالصور التي يراها الإنسان في الحلم ليست سوى إشارات أو رموز لوقائع وأحداث مكبوتة، أفلحت في مراوغة الرقابة وتمكنت من الإفلات منها. وعلى من يمارس التحليل أن يتقن ترجمة هذه الإشارات وفك تلك الرموز ليقف على فكرة الحلم المكبوتة. وقد أشار فرويد إلى ذلك بقولـه: "إن أفكار الحلم والمحتوى الظاهر للحلم تبدو لنا كتصورين مختلفين لمحتوى واحد. فمحتوى الحلم يبدو لنا كتدوين لأفكار الحلم بنوع آخر من التعبير. وعلينا أن نتعلم إشارات وقوانين العمل بمقارنة الأصل مع الترجمة لفهم أفكار الحلم بصورة مباشرة عندما تظهر لنا. إن محتوى الحلم يعرض لنا على شكل هيروغليفي. فإشاراته يجب أن تترجم واحدة واحدة إلى لغة أفكار الحلم، إننا نخطئ بالتأكيد إذا أردنا قراءة هذه الإشارات كصور وليس حسب معناها الرمزي"(سمير نوف، 1982، 17).
وهكذا أقبل فرويد على نشاطه التحليلي وهو مسلح بطريقتي التداعي الحر وتفسير الأحلام المتكاملتين ليخرج ماخفي في لا وعي مرضاه وفي لا وعيه شخصياً إلى نور الوعي، ويربط بين دقائق وجزئيات تقاريرهم عن ماضيهم البعيد وأحلامهم، كما يربط بين دقائق وجزئيات ذكرياته وأحلامه للوقوف على الأسباب الفعلية للحالات المرضية. فماهي طبيعة المكبوتات؟ وماهي مادتها ـ كما وصفها فرويد ـ ؟
إن الإجابة على هذا السؤال تقتضي الانتقال إلى الجانب الآخر من نظرية فرويد. ونعني الجانب الدافعي للسلوك البشري. فقد وجد فرويد أن أفعال الإنسان وتصرفاته منذ الولادة تنشأ وتتطور في سياق البحث عن أساليب وموضوعات إشباع دوافعه الغريزية. فالكائن البشري يولد بعدد من الغرائز. وعلى إشباعها وكيفية هذا الإشباع يتوقف بقاؤه واستمراره. وأول مايجب أن نعرفه هو أن هذا الإشباع يتم عبر تبادل العضوية الأشياء والعناصر الحيوية مع العالم الخارجي. فبفضل الآليات المعقدة لعمل العضوية تتحول الأشياء والعناصر التي تستمدها من المحيط الخارجي إلى أشكال مختلفة من الطاقة. ومع أن فرويد يشير إلى غريزة الجوع وغريزة العطش وغيرهما، إلا أنه لم يعرها أي اهتمام. ووجد أن غريزة حب البقاء التي أطلق عليها اسم "ايروس eros"(*) والمتمثلة أساساً في الغريزة الجنسية هي الجوهر الطاقي للعضوية. وللتعبيرعن حجم ونوعية هذه الطاقة استخدم فرويد مصطلح الليبيدو libido.
إننا لو أردنا تحديد الغريزة(أو الغرائز) الجنسية في النظرية الفرويدية لقلنا بأنها طاقة نفسية فطرية تحرك النشاط النفسي للشخص وتوجهه نحو الإشباع الجنسي. وتبين الخبرة الميدانية أن أفعال الناس الموجهة نحو إشباع رغباتهم الجنسية تصطدم دوماً بعوائق خارجية مصدرها المجتمع. ويرجع فرويد سبب ذلك إلى مخالفة الأشكال والأساليب المتبعة في هذا النشاط للقيم الأخلاقية السائدة في المجتمع. وهذا ما يقود إلى كبت الانفعالات والأفكار التي رافقت أو نجمت عن حرمان الغريزة من الإشباع. فالكبت يحدث، إذن، في كل مرة يصطدم فيها إشباع الغريزة الجنسية بـ"الممنوع الاجتماعي". ومادام الكبت يعني انتقال تلك الانفعالات والأفكار إلى ساحة اللاوعي وبقاءها في حالة نشاط وتأثير على الإنسان، فإن مزيداً من عمليات الكبت سوف يؤدي إلى نشوء الحالة المرضية العصابية، كالهستيريا، وتشكل العقد النفسية، كعقدة أوديب.
ولما كانت الطاقة الجنسية المختزنة في اللاوعي(الليبيدو) هي التي توجه أفعال الإنسان وتصرفاته ـ كما ذكرنا منذ قليل ـ فقد قرر فرويد أن تكون بداية الحياة الجنسية مع "صيحة الاحتجاج" الأولى التي يطلقها الوليد فور خروجه من رحم أمه. ولهذا نراه يتتبع تجليات الغريزة الجنسية وتحولاتها على امتداد سنوات الطفولة، ويتصور أن تلك التجليات تتجاوز تنبيه العضو التناسلي لتشمل مختلف مناطق البدن. فالوظائف الحياتية تكون مشحونة بشحنة ليبيدوية منذ الولادة. ويطلق فرويد عليها اسم "المناطق الشبقية ـ الذاتية"، لأن تفريغ شحنتها لا يستدعي وجود موضوع خارجي، وإنما يتم بفعل ذاتي يقوم به الطفل كالمص والحك والتغوط... الخ، وهنا يتحدث عن ثلاثة مناطق شبقية رئيسية هي: الفم والشرج والعضو التناسلي. وبكل واحدة منها يناط إشباع حاجة حيوية معينة. فالفم يتولى إشباع الحاجة إلى الطعام. والشرج يقوم بتخليص العضوية من الفضلات. وعضو التناسل يؤدي وظيفة التكاثر، وهكذا فإن مفهوم الحياة الجنسية عند الطفل في الاستعمال الفرويدي لا يقتصر على الوظيفة التناسلية فقط، بل يشمل "كل ما يتلعق بنشاطات الطفولة الأولى الهادفة إلى المتعة المحلية التي يمكن لهذا العضو أو ذاك أن يحصل عليها"، ويلفت فرويد انتباهنا إلى وجود أفعال يقوم بها الطفل عن طريق المناطق الشبقية لا تقود إلى إشباع الحاجة الحيوية المنوطة بها، بقدر ما تحقق خفض التوتر. فقرض الأظافر لا يسد جوع الطفل، والاستمناء لا يؤدي إلى الإنجاب، وإنما يساعدان على التخفيف من التوتر الذي يعاني منه الفرد.
وهكذا فالمناطق الشبقية تلعب دوراً ريادياً في نمو الشخصية وتبلور سماتها، لأنها تعتبر، في رأي فرويد، نوافذ لاتصال الطفل بعالمه الخارجي، وبالتالي ، مصدر تجاربه وخبراته. فما يرافق إشباع الطفل لحاجاته(أو عدم إشباعه لها)، من مشاعر سوف يصبح مركباً لسلوكه الجنسي اللاحق وسبباً في هواماته الواعية واللاواعية.
ومن هذا المنطلق يقرر فرويد أن الأعوام الخمسة أو الستة الأولى من حياة الإنسان هي التي تحدد معالم شخصيته ونمطها. وتبعاً للمناطق الشبقية وتعاقب تمركز الطاقة الجنسية فيها يقسم مراحل النمو ويصنّف الشخصيات. فالطفل يمر بثلاث مراحل أساسية: المرحلة الفمية، والمرحلة الشرجية، والمرحلة القضيبية، وعلى أساس السلوك الجنسي في كل مرحلة منها تتكون ثلاثة أنماط من الشخصية: النمط الفمي، والنمط الشرجي، والنمط القضيبي.
1 ـ المرحلة الفمية: Oral phase يعتبر فرويد الفم أولى المناطق الشبقية الطفلية التي تشرع بأداء وظائفها بعد انفصال الطفل عن الأم مباشرة. فالطفل يحقق اللذة في مطلع حياته بمص الأشياء( ثدي الأم، الرضاعة..)، التي تقترب من شفتيه، أو توضع في فمه. كما يحققها بعد ظهور الأسنان عن طريق العض. وإذا كانت العملية الأولى تزود الطفل بلذة جنسية، فإن العملية الثانية(العض) تزوده باللذة العدوانية. وفي حال تناول الطفل للأشياء المؤلمة(الصلبة أو الحامضة أو المرة) فإنه سرعان ما يعمل على إبعادها عن طريق بصقها. بينما نراه يسلك سلوكاً معاكساً إن هو تعرض إلى محاولة انتزاع شيء لذيذ من فمه، حيث نجده يقاوم ذلك بواسطة غلق فمه. ويذهب فرويد إلى هذه الأفعال(المص، العض، البصق، الإغلاق)، تشكل الخبرات السلوكية الأولى للطفل، وأن تكرارها أو تكرار بعضها في هذه المرحلة يمهد السبيل لتكون بعض سمات الشخصية التي توجه علاقة الفرد بالعالم الخارجي. ويعني ذلك أن كل سمة تقوم على فعل من هذه الأفعال.
فالاتجاه نحو المعرفة والاكتساب وحب الاطلاع تتكون على أساس خبرة المص وتناول الأشياء عن طريق الفم. والعدوان والتخريب والمشاكسة هي نتاج خبرة العض. والاستخفاف والاحتقار والاستعلاء هي تعميمات لخبرة البصق. والسلبية والانسحاب والمعارضة تستمد أصولها من خبرة الإغلاق. وبكلمات أخرى فإن ظهور هذه السمات أوغيابها يتوقف على مدى ما يتيحه المحيط للطفل من مثيرات تحرضه على ممارسة هذه الأفعال أو تكفه عن القيام بها.
2 ـ المرحلة الشرجية anal phase يقرن فرويد ظهور هذه المرحلة بنمو عضلات المصرات في نهاية القناة الهضمية، أي في الشرج، حيث يصبح الطفل قادراً على ضبط إخراج الفضلات والتحكم بعملية التبرز التي تقضي على توتره أو تخفف منه وتجلب له الإحساس باللذة. ويعتقد فرويد أن خبرة الطفل في مجال تفريغ الشحنات الجنسية في هذه المنطقة الشبقية هي مصدر تكون الحالات الانفعالية والمزاجية. وقد حدد بداية هذه المرحلة في العام الثاني من حياة الطفل، حيث تبادر الأم إلى إخضاع عمليتي التبول والتبرز للمتابعة والمراقبة الدائمتين بهدف إكسابه القدرة على ضبطهما والتحكم بهما. ولهذا فإن على علاقة الأم بطفلها خلال هذه المرحلة والأساليب التي تتبعها في تنظيم هاتين العمليتين وتعلمه كيفية ضبطهما يتوقف نشوء الكثير من جوانب شخصيته. فأسلوب القسوة قد يدفع بالطفل إلى الإصرار والعناد كتعبير عن رفضه لتدخل أمه. وأسلوب اللين واللطف يحمله على إبداء قدر كبير من المرونة والطاعة. ويرجح فرويد أن يصبح الطفل في الحالة الأولى مشاكساً ومتمرداً، وفي الحالة الثانية كريماً ومحباً.
وعلى صعيد آخر يرى فرويد أن الاحتفاظ بالبراز وحجزه الإرادي يجلب للطفل شعوراً باللذة، مثلما تجلبه عملية التبرز نتيجة إثارة الغشاء المخاطي الشرجي. وبالمقابل فإن إخراجه يجعل الطفل قلقاً وحزيناً ويترك لديه شعوراً بالفراغ. ولقد تحدث عن سمات الشخصية التي تتكون في ضوء الخبرات التي يمر بها الإنسان خلال المرحلة الشرجية، فوجد أن البخل والحرص على الأشياء والممتلكات والتمسك بها هي امتداد لخبرات الحجز الإرادي للبراز. والنظافة والانضباط والترتيب هي تعميمات لتجاوب الطفل مع توجيهات الأهل وإرشاداتهم.
3 ـ المرحلة القضيبية phallic phase وتبدأ هذه المرحلة عادة في السنة الثالثة من عمر الإنسان. وفيها يتحول التركيز الليبيدوي من الشرج إلى عضو التناسل. فيبدأ الطفل بتوجيه اهتمامه نحو هذه المنطقة الشبقية والشعور بلذة "حسية" لدى لمسه لعضوه التناسلي وتدليكه له. وتتسم هذه المرحلة بتزايد الرغبة الجنسية عند الطفل نحو الوالدين. فإذا كان الصبي في السابق يحب أمه ويتقمص أباه، فإن حبه لأمه الآن يتخذ طابعاً جنسياً، ويتحول موقفه إزاء أبيه إلى شعور بالغيرة والكراهية، ويدعو فرويد هذه الحالة بـ"عقدة أوديب" وقد اقتبس هذه التسمية عن الأسطورة اليونانية التي تحكي قصة الأمير أوديب الذي قتل أباه(لايوس ملك طيبة) دون أن يعرفه، ثم تزوج أمه(جوكاست) فأنجبت له أربعة أولاد. وعندما عرف الحقيقة فقأ عينيه ورحل عن المدينة بصحبة إحدى بناته. وتسبب عقدة أ وديب في نشوء مخاطر طفلية تتمثل في خوف الطفل من رد فعل أبيه على موقفه من أمه. وقد يصل هذا الخوف إلى حد القلق من أن يلحق به أبوه أذىً جسدياً، فيقطع قضيبه لكونه مصدر الخطر. وهذا ما عرفه فرويد بـ"قلق الخصاء".
ومما يثير لدى الصبي مثل هذه المخاوف هو اكتشافه لنقص التكوين الجنسي للبنت وافتقارها إلى العضو التناسلي الذي يمتلكه وبالنتيجة يكبت الطفل رغبته بالانفراد بأمه جنسياً وكراهيته لأبيه، وبذا تختفي عقدة أوديب عنده. وهنا يقول فرويد بتقمص الطفل لأمه إذا كانت الغلبة لعناصر الأنوثة في تكوينه العضوي، وتقمصه لأبيه إذا كانت الغلبة لعناصر الذكورة عنده. وفي الحالة الأولى يشبع الطفل رغبته الجنسية نحو أمه بصورة جزئية، بينما تفسح الحالة الثانية المجال أمامه ليشارك أباه في شحناته الانفعالية تجاه الأم.
ومما تجدر الإشارة إليه، هنا، هو وجود سمات مشتركة، علاوة على السمات المختلفة، لاندفاعات الطاقة الجنسية عند كل من الذكر والأنثى في المرحلة القضيبية. فالبنت ـ كالصبي ـ تتوجه بحبها نحو أمها، ولكنها تختلف عنه في أنها لا تتخذ من الأب موضوعاً للتقمص. وحينما تكتشف النقص في تكوينها العضوي بالمقارنة مع الصبي فإنها تشعر بالخصاء، ويتغير شعورها تجاه أمها، فتحل الغيرة والكراهية محل الحب، بينما يظهر لديها رغبة جنسية تجاه أبيها لأنه يمتلك العضو الذي حرمت منه. وهذا ما أطلق عليه فرويد "حسد القضيب"، وهو يقابل "قلق الخصاء" عن الذكر، ويعتبر "حسد القضيب" و"قلق الخصاء" وجهين لعقدة الخصاء.
وإذا كان "حسد القضيب" يؤدي إلى ظهور عقدة أوديب عند البنت، فإن "قلق الخصاء" ينذر باختفاء هذه العقدة عند الذكر. ولكن ذلك لا يعني أن عقدة أوديب تظل العلامة المميزة للطاقة الجنسية عند البنت، بل إنها تضعف تدريجياً مع نمو العضوية واستحالة تحقيق إشباع جنسي عن طريق الأب. وتلك مؤشرات دخول الغريزة الجنسية في فترة الكمون latency period التي تستمر ـ كما هو الحال عند الولد ـ حتى سن البلوغ. وتعرف هذه المرحلة حلول التقمصات محل الشحنات الموجهة إلى الخارج. ويتحدد موضوع التقمصات على أساس العناصر الجنسية المزدوجة التي تتكون منها الطاقة الجنسية عند البنت. فإذا كانت العناصر الأنثوية عندها هي الأقوى تقمصت أمها. وإذا كانت العناصر الذكرية هي الأقوى تقمصت أباها..
وبهذه الفرضيات التي لم تجد في العلم حتى الآن ما يثبت صحتها، والتي كانت وما زالت أقرب إلى إسقاط تخيلات ذاتية على الواقع، وإقحامها ضمن الحقائق الموضوعية، حاول مؤسس التحليل النفسي تفسير السلوك السوي والمرضي على حد سواء. وبذل جهوداً ضخمة في البحث عن مرتسمات لأفكاره ومفاهيمه في الحالات المرضية التي أشرف على علاجها، ومن ثم ترتيب كل ذلك ووضعه في قوالب محددة وتقديمها على شكل نظرية تدعي بأنها كشفت عن أسرار اللغز الإنساني، وحسمت الحوار الطويل الذي يمتد إلى تاريخ قديم حول مسألة الدوافع المحركة لنشاط الفرد برمته. فقد وجد أن عقدة أوديب هي مصدر الأعراض المرضية، مثلما هي مرجع لتأويل روائع الإسهامات الإبداعية للفنانين والكتاب وغيرهم. وهذا ما عبر عنه بوضوح في إحدى رسائله حين قال: "... لم يراود خاطري سوى فكرة واحدة لها قيمة عامة. لقد وجدت في، كما لدى أي فرد آخر، مشاعر حب نحو أمي ومشاعر غيرة نحو أبي. وهي مشاعر نجدها، على ما أعتقد، لدى كل الأطفال الصغار حتى عندما لا يكون ظهورها مبكراً للغاية، كما هو الحال لدى الأطفال الذين سيصبحون لاحقاً من الهستيريين. وعليه فإننا، رغم كل الاعتراضات المنطقية التي تجعلنا نستبعد فرضية القدر المحتوم، نفهم الأثر الأخاذ لمسرحية أوديب الملك. فالأسطورة اليونانية قد استحوذت على نزعة قهرية يمكن لأي كان أن يتعرف عليها، إذ وجد الجميع أثراً لها فيهم. فكل مشاهد كان في يوم من الأيام أوديباً بالقوة وبالخيال، ويمتلكه الهول أمام تحقيق حلمه الذي يمثل كحقيقة على الخشبة. ويقيس هولـه درجة الكبت الذي يفصل حالته الطفلية عن حالته الحاضرة. ويتبادر إلى ذهني أننا قد نجد الشيء ذاته في جذور مأساة هاملت. فكيف يمكننا أن نفهم تردد هاملت في الثأر لأبيه بقتل عمه في حين لا يتردد لحظة واحدة في قتل لاييرت؟.. كيف يمكننا أن نشرح ذلك بأفضل من العذاب الذي تحدثه فيه الذكرى الغامضة بأنه فكر في الجرم نفسه(الذي ارتكبه عمه) تجاه أبيه بسبب حبه لأمه؟"..(رزق الله، بلا تاريخ، 70، 71).
كان فرويد حريصاً على نشر كل ما يستجد لديه من كشوف واستنتاجات، وإطلاع الوسط العلمي على آرائه وتصوراته أولاً بأول، وقد استهل المرحلة الجديدة من حياته العلمية بنشر مؤلفاته "تفسير الأحلام" الذي كتبه خلال عامين. وفرغ من وضعه في أيلول(سبتمبر) عام 1899. وصدر في تشرين الثاني(نوفمبر) من نفس العام. وفضل الناشر أن يكون عام 1900 هو عام إصداره.
يتحدث فرويد في هذا العمل المشهور عن دينامية النفس البشرية ومفهوم اللاوعي ووظائفه وقوانينه ودوره الكبير في حياة الفرد. كما يعرض لمفهوم الحلم ورمزيته وتقنيات ترجمة صور الأحلام وردها إلى أفكارها الأصلية. وعلى عكس ما كان يتوقعه فرويد أو يرغب فيه من إثارة الآخرين بأفكاره الجديدة واهتمامهم بها، فقد قوبل كتابه هذا بكثير من البرود واللامبالاة، بل بالنقد والسخرية في بعض التعليقات عليه. بيد أن ذلك لم يثن من عزيمة صاحبه وطموحه في أن يصبح "رجلاً ذا شأن عظيم" فواصل عمله بصبر وعناد لتقديم مزيد من التوضيحات والأدلة على صحة أفكاره وتصوراته، وبعد بضع سنوات نشر كتاباً بعنوان: "علم النفس المرضي في الحياة اليومية"(1904) تعرض من خلاله إلى الدوافع اللاواعية التي تكمن وراء زلات اللسان والقلم وأخطاء الإدراك والذاكرة












عرض البوم صور فيصل العاصمي   رد مع اقتباس
قديم 08-11-2010, 03:02 AM   المشاركة رقم: 36
الكاتب
عضو أكاديمية علم النفس

المعلومات
المهنة: معلم علم نفس (أكاديمي)
التسجيل: Aug 2010
العضوية: 8938
الدولة: ابها
المشاركات: 278
بمعدل : 0.21 يوميا
التوقيت
الإتصال فيصل العاصمي غير متواجد حالياً


كاتب الموضوع : فيصل العاصمي المنتدى : قـاعـة : الـمـواضـيـع الـنـفـسـيـة الــعــامــة
افتراضي

وفقدانهما كلياً أو جزئياً وأحلام اليقظة وما إليها من الظواهر النفسية. وفي العام نفسه أصدر كتاباً آخر بعنوان "حالة من حالات الهستيريا". وذكر فيه الأسباب النفسية للأمراض العقلية. وفي عام 1905 نشر كتابه "ثلاث مقالات في النظرية الجنسية"، الذي أصبح أحد أهم المراجع في التحليل النفسي. وتتبع فيه مراحل نمو الغريزة الجنسية ومظاهرها في كل مرحلة منها على نحو ما ذكرنا سابقاً. ولعل من المناسب أن نشير هنا إلى أن فرويد لم يعن بمفهوم المرحلة التحسن التدريجي للأفعال والوظائف النفسية عند الطفل، بقدر ماكان يصف به انتقال الطاقة الليبيدوية من منطقة شبقية إلى منطقة شبقية أخرى، وتحولات أشكال العلاقات أثناء هذه المراحل وصولاً إلى المرحلة الجنسية التناسلية. وقد لاحظ فرويد ـ زيادة على هذا ـ أن مسار الغريزة الجنسية ليس محدداً تحديداً صارماً. فتأثير بعض مكونات المرحلة الأدنى يبقى ملحوظاً في المراحل الأعلى. "وهكذا فإن عناصر فمية أو شرجية تلعب دوراً مهماً فيما يتعدى المرحلة الفمية والشرجية. إن الدوافع ماقبل التناسلية تستمر في حياة الراشد"(سميرنوف، 1982، 98).
ويلاحظ فرويد أن سمة الغريزة الجنسية في فترة ماقبل الجنسية التناسلية هي النرجسية narcissisme. ويقصد بالنرجسية تلك الإحساسات الإيجابية(اللذة) التي تنشأ بفعل التنبيهات الذاتية مثل مص الأصابع والتبرز أو حبس الفضلات والاستمناء.
وفي نفس العام، أي عام 1905، درس فرويد في كتابه "النكتة وعلاقتها باللاوعي" أهمية النكتة بالنسبة للإنسان باعتبارها نافذة أو قناة لتفريغ الشحنات الانفعالية حينما لا تتيسر إمكانية تفريغها بصورة عادية. ويذكر المؤرخون أن فرويد كتب مؤلفّيه "ثلاث مقالات..." و"النكتة...". في فترة واحدة وخلال بضعة أشهر. وقبل نهاية عام 1905 حسم أمره بعد تردد دام أربعة أعوام، وقرر نشر حالة دورا بعنوان "نبذة من تحليل حالة هستيريا"(دورا).
وبفضل المثابرة والإصرار تمكن فرويد شيئاً فشيئاً من استقطاب عدد من الأطباء الذين كانت أغلبيتهم العظمى من اليهود، أمثال: و.شتيكل(1868-1940م) صاحب طريقة في العلاج تعرف بـ"التحليل الفعال" ومؤلف عدد من الكتب في النظرية الجنسية، وأوتورانك(1884-1939م) الذي طبق التحليل النفسي في الفن والأدب، وصاحب كتاب "صدمة الميلاد"، الذي عرض فيه فكرته حول انفصال الطفل عن أمه ودوره في العصاب، وأن الرغبة الجنسية للذكر تخفي رغبته في العودة إلى رحمها، وكارل أبراهام(1877-1925م) الذي حاول تفسير طبع الإنسان بتثبيت تغيراته عند مرحلة من مراحل النمو الجنسي، وساندور فرنتزي(1873-1933م)، صاحب تقنية حرمان المريض من الطعام والنوم وإشباع حاجاته المتبقية في حالة ما إذا أبدى مقاومة التداعيات الحرة، وذلك بغية زيادة الطاقة الليبيدوية ويمكن أن نضيف أيضاً إ.جونز
(1879-1958م) رائد حركة التحليل النفسي في إنكلترا ومترجم حياة فرويد، وم.ايتينهاين (1881-1943م) وهـ.ساكس(1881-1947م)، ول.بينسفانغر
(1881-1966م) الذي انشق، فيما بعد، عن التحليل النفسي ووضع نظرية "التحليل الوجودي" الذي ترى أن مهمة الطبيب النفسي تبدأ من التصور الذي يحمله العميل عن العالم. ويبقى أن نشير إلى أن أ.أدلر، أحد الوجوه البارزة في حركة التحليل النفسي، كان في طليعة الذين تجمعوا حول مؤسسها.
لقد ألّف هؤلاء الأطباء مجموعة انضوت تحت لواء التحليل النفسي. وكانت تجتمع بقيادة فرويد وفي منزله مساء كل أربعاء. ولهذا سميت بـ"جماعة الأربعاء النفسية".
وفي تلك الأثناء لفتت آراء فرويد انتباه بلولر، طبيب الأمراض العقلية في مدينة زيوريخ ومساعده يونغ. وأبدى الرجلان استعداداً لتطبيق التحليل النفسي في نشاطهما العلاجي. وقد سرّ فرويد كثيراً حينما عرف بذلك، واعتبر أن هذا الموقف يمهد الطريق أمام انتشار أفكاره في أوساط المسيحيين، بل ويضع حداً لكراهيتهم ومعاداتهم لليهود في فيينا. ولهذا سعى للقاء بلولر ويونغ. وفي آخر يوم أحد من شهر شباط(فبراير) عام 1907 استقبل فرويد يونغ في منزله، وتبادل معه الآراء في جلسة طويلة تركت لديه انطباعاً إيجابياً عن ضيفه وقدراته العلمية. وأبدى رغبة شديدة في توطيد علاقته به وتوظيفها لصالح حركته في المستقبل.
وفي 22/9/1907 اتخذ فرويد قراراً بحل "جماعة الأربعاء النفسية".وقد ورد هذا القرار في رسالة بعث بها إلى أعضاء الجماعة عندما كان في روما. ولكنه طلب في الوقت نفسه ممن يريد منهم تقديم طلب انتساب جديد. وفي شهر نيسان(أبريل) من عام 1908 عقد المؤتمر الأول للتحليل النفسي في فندق بريستول في مدينة سالسبورغ. ومن بين القرارات التي اتخذها المؤتمرون إصدار مجلة باسم "مجلة التحليل النفسي وعلم النفس المرضي"، وأن يكون فرويد وبلولر مديرين لها، ويونغ رئيساً لتحريرها. ولكن الخلاف الذي نشب بين يونغ وأبراهام كاد أن يحدث شرخاً في التجمع الجديد لولا تدخل فرويد ووقوفه المصلحي إلى جانب يونغ، ومحاولاته الدؤوبة لثني أبراهام عن موقفه وإقناعه بأهمية وجود يونغ معهم. والحقيقة أن ذرائعه في هذا الشأن كانت بعيدة تماماً عن العلم وروحه. وهذا ما يبدو واضحاً من خلال رسائله إلى أبراهام. فقد جاء في إحداها مايلي: "تذكر أن يونغ، وهو مسيحي وابن قسّ، قد تغلب على مقاومات كبيرة قبل أن يجد طريقه إلي"... وأن علينا نحن اليهود، إذا أردنا التعاون مع الآخرين، أن نبدي بعض المازوكية، وأن نستعد لتحمل بعض الظلم". ويعلل ذلك بأنَّه "لا غنى عن أصدقائنا الآريين. دونهم يقع التحليل النفسي ضحية المعاداة للسامية"(رزق الله، بلا تاريخ، 78).
ولقد وجد فرويد في الدعوة التي وجهها إليه ستانلي هول رئيس جامعة كلارك ـ وورشستر في أيلول(سبتمبر) عام 1908، فرصة سانحة لتوسيع دائرة نشاطه ونشر أفكاره. وهناك بسط نظريته في خمس محاضرات جمعها فيما بعد ونشرها تحت عنوان "محاضرات في المدخل إلى التحليل النفسي".
ومما ينبغي إبرازه في هذا السياق هو ذلك الأثر الإيجابي الذي تركته زيارته للولايات المتحدة الأمريكية على صعيد حركة التحليل النفسي، الأمر الذي حدا به إلى التفكير في تأسيس رابطة دولية للمحللين النفسيين. وقد استغل فرصة انعقاد المؤتمر الثاني للتحليل النفسي في مدينة نورمبرغ عام 1910 فاختار فرنتزي وطلب منه عرض هذا الاقتراح على المؤتمرين. فلاقت الفكرة استحسان الجميع وتمت الموافقة على إنشاء الرابطة. وباقتراح من فرويد صوت الحاضرون لصالح يونغ لكي يكون رئيساً لها، واختاروا مدينة زيوريخ لتكون مقرها الدائم. بيد أنه سرعان ما بدأ الخلاف الفكري يطبع علاقة فرويد بعدد من أعضاء الرابطة. ولم يمضِ عام على تأسيس الرابطة حتى أعلن أدلر انفصاله عن فرويد، وتبعه شتيكل عام 1912، ثم يونغ عام 1913.
وعلى الرغم مما أثارته تلك الانقسامات من مخاوف على واقع حركة التحليل النفسي ومستقبلها لدى أعضاء الرابطة، فقد بقي فرويد متمسكاً بآرائه ومتحمساً لتطويرها وتعميقها ومسخراً كل جهوده وقدراته لجمع الأدلة والشواهد على صوابية نهجه وضرورة الاستمرار فيه. وتجسد ذلك في ميله نحو الفلسفة، وعلم الاجتماع، والدين، والأنتروبولوجيا، واهتمامه بما قيل أو كتب في هذه الميادين عن مكانة الغريزة الجنسية في الوعي الاجتماعي والممارسة البشرية وصولاً إلى مقاربات يجد فيها ومن خلالها البعد المادي والجذور التاريخية لأطروحاته. ولقد ابتغى من وراء بحثه في التاريخ البشري العثور على ما يثبت وجود الحقيقة الأوديبية فينا. كما أراد أن يتلمس في الروابط الاجتماعية القديمة ما يفسر الأعراض المرضية لدى الإنسان المعاصر. وقد أشار إلى ذلك بقوله: "وإني لأعلق أهمية كبرى على مشاركاتي في سيكولوجيا الدين،تلك التي استهلت عام 1907 بعقد تشابه ملحوظ بين عصاب الأفعال القهرية وبين الطقوس والشعائر الدينية. وقبل أن أفهم الصلات العميقة، وصفت عصاب القهر بأنه دين خاص مشوّه، والدين بأنه عصاب قهري عام. ثم أدت بي ملاحظات يونغ الصريحة عام 1912 في المشابهات القوية بين منتجات العصابيين النفسية وبين منتجات الشعوب البدائية إلى توجيه انتباهي إلى ذلك الموضوع"(فرويد، 1967، 76).
وللتدقيق في المقارنات والمشابهات التي شجعت ملاحظات يونغ عليها قرر فرويد اللجوء إلى ماقاله علماء الأجناس والسلالات والاحتكام إلى دراساتهم. فكانت مؤلفات مثل "الطوطمية والزواج الخارجي"، و"الغصن الذهبي"، لفريزر و"ديانة الساميين" لروبرتسون سميث أبرز ما اعتمد عليه من مصادر في هذا الميدان. حيث أخذ عن الأول ما أورده حول "تحريم قتل الطوطم، وتحريم الاتصال الجنسي بأية امرأة من عشيرة الطوطم"، وعن الثاني الطقوس الطوطمية المتمثلة في قتل الطوطم المقدّس مرة كل عام بمشاركة جميع أفراد العشيرة وأكله من قبلهم وفق مراسم محددة، وما يعقب ذلك من احتفالات وحزن ونواح. ولقد رأى فرويد في الخلفية التاريخية لهذه العلاقات والطقوس بداية تكون الرغبة البشرية في قتل الأب والزواج بالأم، وتشكل عقدة أوديب.
وعلى الرغم من ضعف الوثائق والمعطيات التي اعتمد عليها كل من فريزر وسميث وافتقارها إلى السند الموضوعي الصحيح، كما وصفها الباحثون، فقد قام فرويد بتعميمها، ووضع فرضية القبيلة البدائية التي كان يتزعمها أب طاغية استحوذ على جميع نسائها، ولم يسمح لأحد من أولاده بمشاركته، بل وعمل فيهم قتلاً وطرداً وتشريداً، تحسباً لأي مساس بسلطته وسلطانه.وكرد فعل على بطشه وطغيانه اجتمع الأبناء ذات يوم فقتلوه وافترسوه. وسرعان ما نشب الخلاف بينهم. إلا أنهم تحت وطأة الشعور بالإخفاق والندم تمكنوامن رأب صدعهم وجمع كلمتهم، وتشكيل قبيلة تحكمها قوانين الطوطمية. وتعاهدوا على العمل معاً من أجل تجنب كل ما من شأنه تكرار فعلتهم، فاتفقوا على التخلي عن الاتصال الجنسي بالنسوة اللائي كن سبباً في قتلهم لأبيهم، وأن يتخذوا من النساء خارج قبيلتهم موضوعاً لإشباع رغبتهم الجنسية. وصاروا يحيون ذكرى مقتل الأب على شكل وليمة تقام مرة كل عام تكفيراً عن خطيئتهم.
ويعتقد فرويد أن هذه القصة تكشف عن سر ظهور الدين والأخلاق وما يشتملان عليه من طقوس وشعائر وقيود. وقد عبر عن اعتقاده بقوله: "والآن سواء تصورنا أن احتمالاً هذا شأنه كان واقعة تاريخية أو لم يكن، فهو قد أدخل نشأة الدين ضمن مجال عقدة أوديب، وأقامه على أساس الازدواج العاطفي الذي يسيطر على هذه العقدة. وبعد أن لم يعد الحيوان الطوطم يقوم مقام الأب، أصبح هذا الأب ـ موضع الخوف والبغض، والتقديس والغيرة في آن واحد ـ أصبح نموذجاً أولياً للإله ذاته. وقام في نفس الابن صراع بين التمرد على أبيه وبين محبته له خلال محاولات متتالية للتوفيق بينهما، بغية التكفير عن فعلة اغتيال الأب من ناحية، وتدعيم المنافع التي أثمرت عنها من ناحية أخرى. هذه النظرة للديانة تلقي ضوءاً قوياً على الأساس السيكولوجي للديانة المسيحية، التي لا تزال "وليمة الطوطم" توجد فيها مع تحريف ضئيلٍ على شكل التناول(فرويد، 1967، 79). ولكي يرد فرويد عن نفسه تهمة التعصب الديني، ويغلق جميع الأبواب أمام دعاوي التهجم على الديانات الأخرى، فقد سارع إلى القول بأن الإشارة الأخيرة إلى الطوطمية واعتبارها أساساً للمسيحية مقتبسة عن الآخرين:"... إن تلك الملاحظة الأخيرة لم تكن ملاحظتي أنا، بل توجد في مؤلفات روبرتسون سميث وفريزر."(فرويد، 1967، 79). ويمثل هذا الاستنتاج الفكرة الأساسية التي قدمها في كتابه "الطوطم والتابو"(المقدس والمحرم) الذي تردد طويلاً في نشره بسبب ارتيابه في صحة محتواه، ولاسيما تلك الأحداث والوقائع التي تصور بداية العلاقات الاجتماعية والقائمة على المعايير الأخلاقية والأبعاد النفسية. وقد دفعته ريبته إلى الاستئناس بآراء تلاميذه والمقربين إليه في هذا العمل. ثم حزم أمره وقرر نشره عام 1913. وعندما سئل عن سر تردده، أمام هذه الخطوة، وهو صاحب "تفسير الأحلام" وبلوغ قلقه إلى هذا المستوى أجاب: "في تفسير الأحلام كنت أتكلم عن رغبة قتل الأب، أما الآن فإني أصف الحدث الفعلي: وشتان مابين الرغبة والفعل"ـ(رزق الله،
بلا تاريخ، 80).
يتألف "الطوطم والتابو" من أربع مقالات نشرت في مجلة(إيماجو ـ imago) وهي على التواليتهيب سفاح القربى، التابو وازدواجية الانفعالات العاطفية، الأحيائية والسحر وطغيان الأفكار، العودة الطفولية إلى الطوطمية). وقد سعى فرويد من خلالها: "..... لتطبيق وجهات نظر ونتائج التحليل النفسي على مسائل غير محسوسة في سيكولوجية الشعوب"(فرويد، 1983، 19). وذلك بتحليل كل من الطوطمية والتابوية والقيام بإسقاطات تاريخية على واقع النمو النفسي للإنسان الحالي. وخلص إلى أن الطوطمية"... مؤسسة اجتماعية ـ دينية غريبة عن شعورنا الحالي، جرى منذ زمن بعيد التخلي عنها واستبدالها بأشكال أكثر حداثة ، ولم تخلف وراءها سوى آثار طفيفة في أديان وأعراف وعادات الشعوب الحضارية المعاصرة، وتحتم عليها أن تلاقي تقلبات كبيرة حتى لدى تلك الشعوب التي لا تزال تتمسك بها حتى اليوم"(فرويد 1983، 20).
أما التابوية فإنها لا تزال تعيش فينا. إنها برأيه، القوة المطلقة التي لا نملك إلا التسليم بها والخضوع لسلطانها. فلئن استطاع التقدم الحضاري للمجتمعات البشرية أن يحد من نفوذ الطوطمية فإن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للتابو وسلطته.
وباختصار فإن غرض فرويد من عمله هذا هو إثبات أن عقدة أوديب هي مصدر التراكم الحضاري الذي حققته الإنسانية، وسر تطور النوع البشري، مثلما هي شرط نمو الفرد وتبلور سمات شخصيته.
إن نظرية فرويد في نمو الغريزة الجنسية لدى الإنسان وما تضمنته من مفاهيم كعقدة أوديب ومراحل تمركز الشحنات الليبيدوية وانتقالها من عضو إلى آخر، لا تقوم على أسس علمية. لذا فإنها ـ كما جاء على لسان فالون ـ أقرب إلى الأسطورة منها إلى العلم كونها لا تخضع لقوانينه، ولا يمكن إثبات صدقها أو التحقق من صحتها عن طريق التجربة. ولكن فرويد لم يأبه كثيراً بالاعتراضات والانتقادات. ومضى في سبيله ليطور نظريته ويعدل أفكاره في ضوء ممارساته العيادية. فقد اهتدى منذ عام 1920 إلى وضع نظام نفسي جديد يتألف من "الهوid" و"الأناego" و"الأنا الأعلى super ego" بدلاً من النظام السابق الذي تقوم النفس فيه على اللاوعي وما قبل الوعي والوعي. ولعلنا نجد في كتبه "ما فوق مبدأ اللذة"،(1920) و"سيكولوجية الحشد وتحليل الأنا"(1921) و"الأنا والهو"(1923) و"الكبت والعرض والقلق"(1926) عرضاً لبنية الجهاز النفسي وموقع اللاوعي فيه ووظيفة كل من الهو والأنا والأنا الأعلى وعلاقتهم بعضهم ببعض. فالهو يعتبر النظام الأصلي من الجهاز النفسي الذي لا يعرف التغير أو التبدل. ويتكون من كل ماهو موروث وموجود سيكولوجياً عند الولادة بما في ذلك الغرائز. وهو خزان الطاقة النفسية الذي يزود الأنا والأنا الأعلى بها. كما أنه يستمد طاقته من العمليات الجسمية التي يتصل بها اتصالاً وثيقاً. وقد عرفه فرويد بأنه"الواقع النفسي الحقيقي". والهو يرفض أية زيادة في الطاقة. وإن حدث ذلك فإن الشخص يعاني من توتر، مما يدفعه إلى القيام بما من شأنه تفريغ الشحنات الطاقية الزائدة. وهذا ما جعل فرويد ينظر إليه كمحرك لنشاط الفرد. والهو متمرد على قوانين العقل والقيم الأخلاقية. إنه ـ قوة عمياء لا تخضع إلا لـ"مبدأ اللذة".
وهكذا يعمل الهو على التخلص من الضيق والألم اللذين يحدثهما التوتر وينشد اللذة. وسبيله في ذلك الأفعال الانعكاسية الفطرية كالعطس والمص والغمز وسواها. ويستخدم لهذا الهدف أيضاً العمليات الأولية التي تتجلى في الاستجابات السيكولوجية البسيطة. إذ بفضلها تتشكل صور موضوعات إشباع الحاجات الفطرية التي تساعد على تفريغ الشحنات الزائدة من الطاقة وتخفف من توتر الكائن البشري. وفي هذه الحالة يصبح تصور الأشياء والاحتفاظ بها في الذاكرة مكافئين لإدراكها. وتؤدي هذه العملية إلى خفض التوتر والشعور باللذة تماماً مثلما يحدث خلال تتابع الصور في الحلم.
غير أن العمليات الأولية بحد ذاتها لا تحقق الهدف المنشود. ذلك لأنها ليست قادرة على تخليص الشخص من الطاقة الزائدة تماماً وبصورة دائمة. فالصور المختزنة في الذاكرة عن الطعام أو الماء لا تشبع الجائع ولا تروي العطشان. وقد حملت هذه الحقيقة فرويد على الاعتقاد بأن سبب تكون العمليات النفسية الراقية يتمثل في العمليات النفسية الثانوية التي تؤلف مضمون الجزء الثاني من النظام النفسي وهو "الأنا".
ولما كان بقاء الإنسان واستمرار الإنسانية هدفاً نهائياً للوجود الإنساني؛ فإن على الفرد منذ طفولته المبكرة أن يلبي حاجاته بالفعل وليس بالتصور أو الوهم. ويستدعي منه ذلك أن يتعلم التمييز بين صور الأشياء وإدراكها الفعلي. وما شروع الطفل بوضع مخططات ذهنية ومحاولة تطبيقها بهدف اختبار الواقع إلا الخطوة الأولى في تكون الأنا. ومن زاوية النظر هذه يرى فرويد أن "الأنا" هو الجهاز الإداري المنفذ للشخصية. وهو يتحكم بـ"الهو" وينظمه من جهة، ويدير شؤون "الأنا الأعلى" ويضبطها من جهة ثانية، باعتباره جزءاً من "الهو" لصيقاً به ومنفتحاً على العالم الخارجي. وحين يحسن "الأنا" القيام بوظائفه ويتمكن من التوفيق بين حاجات "الهو" ومتطلبات "الأنا الأعلى"، فإنه يضمن للشخصية انسجامها وتوازنها. ولكنه حين يميل إلى أحد الطرفين ويقع تحت تأثيره، فإنه يسبب في اختلال توازن الشخصية واضطرابها.
ويصور فرويد علاقة "الأنا الأعلى" على أنها علاقة تسلط وتدمير. "فالأنا الأعلى" لا يسعى إلى إخضاع "الأنا" لسلطته فقط، بل وإلى نفيه والقضاء عليه. ويتجلى هذا المسعى في الإحساس بالذنب الذي يعاني منه مرضى العصاب، والذي ينشأ تحت ضغط "الأنا الأعلى". ومن هنا يفسر فرويد ظاهرة القلق. فيتحدث عن مصدرين اثنين للقلق الذي يصيب "الأنا": مصدر داخلي، وآخر خارجي، ويميز ثلاثة أنواع من القلق: القلق الواقعي، أو الموضوعي، ومصدره العالم الخارجي، والقلق الأخلاقي، ومصدره "الأنا الأعلى"، والقلق العصابي ومصدره "الهو".
ويحدد فرويد مهمة التحليل النفسي في تخليص "الأنا" من مختلف أشكال الضغوط، والعمل على زيادة قوته إلى المستوى الذي يجعله قادراً على أداء وظيفته بصورة متوازنة.
ولكي يتحرر "الأنا" من التوتر الناجم عن ضغوط "الهو و"الأنا الأعلى" ومتطلباتهما التي غالباً ما تكون متناقضة، يلجأ الفرد إلى اتباع أساليب محددة يطلق عليها فرويد "آليات الدفاع"، وهي: الكبت، والإسقاط، والتثبيت، والنكوص، والتصعيد(التسامي). ويقصد فرويد بالكبت تنحية المشاعر والأفكار من ساحة الوعي إلى ساحة اللاوعي تنحية نشطة. ولدى انتقالها إلى اللاوعي.
فإنها تستمر في تأثيرها، فتحفز الفرد على الإتيان بسلوكيات معينة، ومع أن الشخص لا يعيها، إلا أنه يحس بثقلها وضغطها، ويعتوره بسببها الإحساس بالقلق.
وبالإسقاط يشير فرويد إلى تحويل القلق العصابي أو القلق الأخلاقي إلى قلق موضوعي بغية التخفيف منه وتسهيل مواجهته.
والتثبيت يعني، عنده، توقف النمو النفسي عند مستوى معين من مستوياته المبكرة أو عند مرحلة من مراحله الأولى.
ويحدد النكوص بأنه الانحدار أو الرجوع إلى الدرجات الدنيا من السلوك والتفكير.
أما التصعيد فهو انتقال الطاقة الجنسية المحرمة إلى نشاط مقبول من جانب الفرد والمجتمع. ويعتبر فرويد الإبداع أرقى أشكال التصعيد وأكثرها سمواً، يقول فرويد:"ونستطيع أن نرى بسهولة أن الأنا هو ذلك القسم من الهو الذي تعدل بنتيجة تأثير العالم الخارجي فيه تأثيراً مباشراً بواسطة جهاز الإدراك الحسي ـ الشعور. وفضلاً عن ذلك فإن الأنا يقوم بنقل تأثير العالم الخارجي إلى الهو، وما فيه من نزعات، ويحاول أن يضع مبدأ الواقع محل مبدأ اللذة، الذي يسيطر على الهو. ويلعب الإدراك الحسي في الأنا نفس الدور الذي تلعبه الغريزة في الهو.












عرض البوم صور فيصل العاصمي   رد مع اقتباس
قديم 08-11-2010, 03:02 AM   المشاركة رقم: 37
الكاتب
عضو أكاديمية علم النفس

المعلومات
المهنة: معلم علم نفس (أكاديمي)
التسجيل: Aug 2010
العضوية: 8938
الدولة: ابها
المشاركات: 278
بمعدل : 0.21 يوميا
التوقيت
الإتصال فيصل العاصمي غير متواجد حالياً


كاتب الموضوع : فيصل العاصمي المنتدى : قـاعـة : الـمـواضـيـع الـنـفـسـيـة الــعــامــة
افتراضي

ويمثل الأنا ما نسميه الحكمة وسلامة العقل، على خلاف الهو الذي يحوي الانفعالات(فرويد 1985 ، 42 ،43).
ويتجلى "مبدأ الواقع" في أن يحتمل المرء التوتر وينتظر تفريغ الطاقة حتى يتم إحضار الموضوع الذي يلبي الحاجة، ويتضح من خلال ذلك أن هذا المبدأ لا يلغي اللذة التي ينشدها الهو، بل إنه يسعى إليها بشكل واقعي ومناسب.
أما "الأنا الأعلى" فإنه يقوم على القيم الأخلاقية والمعايير الاجتماعية. ولذا فهو يمثل الجانب المثالي في نظام الشخصية، الذي يتولى مراقبة كيفية تفريغ الطاقة النفسية بتعليق "مبدأ الواقع" و"مبدأ اللذة". ويتشكل "الأنا الأعلى" كاستجابة للممكنات والممنوعات التي تتضمنها توجيهات الوالدين وقرارات وأحكام المؤسسات الاجتماعية المختلفة. وبتقمص الطفل للقيم الأخلاقية السائدة في المجتمع يتوجه بأفعاله نحو مراعاة ما ينبغي أن يكون ويعرض عما هو كائن بالفعل. ويعني هذا أن "الأنا الأعلى" يعمل لبلوغ الكمال. وفي مسعاه يقوم بكف اندفاعات "الهو" ذات الطابع الجنسي أو العدواني على وجه الخصوص من ناحية، وبإقناع الأنا بتجاوز الموضوعات الواقعية وإحلال المثل السامية مكانها من الناحية الثانية. وهكذا فـ"الأنا الأعلى" يشبه "الهو" في عدم خضوعه لأحكام العقل وقواعد المنطق، و"الأنا" في محاولته السيطرة على الغرائز وتقنين عملية إشباعها. ولكنه، بالمقابل، يختلف عن "الأنا" في أن محاولته لا تقتصر على تعليق الإشباع وتأجيله، وإنما يعمل على الحيلولة دون ذلك إلى إشعار تحدده قيم المجتمع.
ويُبرز هذا النموذج الجديد ذو الأبعاد الثلاثة تنوع الدوافع لدى الإنسان. "فالهو" يمثل الدافع البيولوجي، و"الأنا"يمثل الدافع النفسي الفردي(الذاتي)، و"الأنا الأعلى" يمثل الدافع الاجتماعي. ولكن هذه الدوافع تتخذ عند فرويد أشكالاً جامدة. فالدافع البيولوجي يقتصرعلى طاقة الليبيدو، والدافع الاجتماعي ينحصرفي الاتجاه النفسي للطفل. وبدا "الأنا المسكين" ـ على حد تعبير فرويد نفسه ـ ينوء بكلكل مهمة التوفيق بين مطالب "الهو" وسلطات "الأنا الأعلى"، ويواجه الأخطار المحدقة به "من العالم الخارجي،ومن ليبيدو "الهو"، ومن قسوة "الأنا الأعلى"(فرويد، 1985، 89)، الأمر الذي اعتبره فرويد سبباً في الإصابة بالأمراض النفسية.
وفضلاً عن ذلك فإن "الهو" كعنصر أولي وبدائي، يتمتع بقوة عمياء، هو الأرضية التي ينبثق عنها "الأنا" و"الأنا الأعلى" " مادام الأنا الأعلى" هو أول تقمص يبدأ به تكون "الأنا" بعد أن "يحل محل الشحنات النفسية التي كانت تصدر عن الهو والتي قد توقفت بعد ذلك"(فرويد، 1985، 78).
واشتمل النموذج الجديد أيضاً، زيادة على أقسام الشخصية، القوى المحركة للسلوك، فبعد أن شاهد فرويد ويلات الحرب العالمية الأولى، ووقف على ما تركته من موت ودمار وخراب، وما سببته من تشوهات واضطرابات في الأجسام والنفوس، أضاف إلى الايروس أوالغرائز الجنسية، غرائز أخرى، هي غرائز الموت. كتب فرويد يقول: "وقد اقتضت بعض الاعتبارات النظرية التي أيدها علم البيولوجيا أن نفترض غريزة الموت".(فرويد 1985، 67)، ويزعم أن تكون هذه الغريزة يرجع إلى تاريخ موغل في القدم، ففي أحد العصور الجيولوجية عرفت مصادر الكون مستوى من الاتحاد فيما بينها، تحولت معه إلى كائنات عضوية. ويتصور فرويد أن هذه الكائنات لم تعمر طويلاً، وعادت إلى حالتها السابقة، أي إلى الحالة غير العضوية. ومع بداية نشوء الحياة على الأرض، ورثت الكائنات الحية عن تلك العناصرنزعتها إلى الفناء. وهكذا فإن هذه الغريزة توجد في جميع الأحياء على الأرض. وبوجودها ينزع كل حي للعودة إلى الحالة التي كان عليها قبل ولادته، أي إلى حالة اللاعضوية.
وتتجلى غريزة الموت في النزعة العدوانية الموجهة نحو تدمير الذات أو تدمير الغير. وفي الوقت الذي يفصح فيه فرويد عن شكّه في تضاد الغريزة الجنسية وغريزة الموت، فإنه يترك الباب مفتوحاً أمام النشاط التحليلي الأكلينيكي للتدليل على اتحادهما. ويفترض بصورة أولية أن وجود إحداهما يقضي بحياد الأخرى أو بحلولها محلها.
وفي هذا المعنى يقول: "غير أن التمييز بين مجموعتي الغرائز لا يبدو مؤكداً تأكيداً كافياً، ومن المحتمل أن تأتي حقائق التحليل الأكلينيكي مخالفة لذلك"(فرويد، 1985، 70). ولكنه يستدرك ويشير إلى خبرته الشخصية قائلاً:"وتبين الملاحظة الأكلينيكية الآن أن الحب يكون دائماً مصحوباً بالكره(التناقض الوجداني) بشكل لم يكن متوقعاً، وأن الكره غالباً ما يكون مقدمة للحب في العلاقات الإنسانية... بل إنها تبين أيضاً أنه كثيراً ما يتحول الكره إلى حب، والحب الى كره. فإذا كان هذا التحول شيئاً أكثر من مجرد التعاقب الزمني، لأصبح من الواضح إذ أنه لا يوجد دليل لذلك التمييز الأساسي بين غرائز الحب وغرائز الموت، وهو التمييز الذي يقتضي وجود عمليات فيزيولوجية متعارضة"(فرويد، 1985، 70).
وفي مجرى الحديث عن الغرائز يعترف فرويد صراحة بصعوبة هذا الموضوع وغموض العديد من جوانبه. ولهذا فإنه يقيم آراءه فيه على الفرضيات وليس على معطيات التجربة الميدانية. لأن معرفته في هذا المجال تبقى عامة، وتقتصر على مجرد الإشارة إلى أن غرائز الموت تنجز وظيفتها بصورة حتمية وأكيدة. أما كيف تقوم بذلك؟، وكيف تستمر في عملها عبر علاقاتها المتقلبة بالغرائز الجنسية؟ فيظل أمراً مجهولاً، ومع ذلك فإن فرويد، لم يتردد في الحكم على أهمية تلك الغرائز في حياة الأفراد والجماعات البشرية واعتبارها السبب في اندلاع الحروب والعدوان والتدمير.
لقد ضاعفت فرضية وجود غرائز الموت لدى البشر من نزعة فرويد التشاؤمية ونظرته السوداوية إلى مستقبل الإنسانية. وبوسعنا أن نلاحظ ذلك

بوضوح في أعماله اللاحقة، خاصة في كتابيه "مستقبل وهم"(1927)، و"كدر في الحضارة"(1930)، وفي رسائله إلى أصدقائه. وهذا ما يبرزه مؤرخو علم النفس والتحليل النفسي. يقول كلفن هال: "لقد كان(فرويد ـ ب.ع ـ) يرى أن القوى غير المتعقلة في طبيعة الإنسان تبلغ من الشدة حداً يجعل للقوى المتعقلة فرصة ضئيلة للتغلب عليها. إن قلة محدودة من الناس هم الذين يستطيعون أن يحيوا حياة العقل. ولكن أغلب الناس يعيشون بالخرافات والخداع أفضل من أن يعيشوا في الحقيقة. لقد رأى فرويد عدداً عديداً من المرضى يقاتلون قتالاً عنيفاً للاحتفاظ بأوهامهم لكي لا يثقوا ثقة أعظم بقوة المنطق والعقل. إن الناس يقاومون معرفة الحقيقة عن أنفسهم. هذه النظرة التشاؤمية نجدها مبسوطة مصقولة في كتابه "مستقبل وهم". وإن كانت كامنة بين السطور في كثير من كتبه"(هال، 1970، 23).
إن القول بغرائز الموت ووظيفتها يعني ببساطة أن سلوك مجرمي الحرب وأفعال وتصرفات القادة والزعماء التي تؤدي إلى الاقتتال والتدمير أمر مسوغ طالما أن كل ذلك موجود لدى الإنسان على صورة غريزة أو طاقة فطرية موروثة. كما يستبعد أية محاولة لتجنيب الإنسان مخاطر الحرب ونتائجها المدمرة. ويعني ذلك أيضاً استحالة البحث في المجتمع والاقتصاد والسياسة والأخلاق عن أسباب الحروب والجرائم والقتل والاعتداء والانتحار مادام ذلك تفريغاً للشحنات الغريزية الموجودة لدى الفرد. و قد عبر فرويد عن ذلك في رسالة بعث بها إلى أنشتين عام 1931 أكد فيها فطرية النزعة العدوانية والتدميرية عند بني البشر، وعجزنا حيال جموحها وطغيانها.
ولعل من الأهمية بمكان أن نشير إلى أن النموذج الجديد الذي يعكس تصور فرويد المعدل للجهاز النفسي احتفظ بمكانة اللاوعي في شخصية الإنسان ودوره الريادي في تكون خصائصها وتطورها. وظل مؤسس التحليل النفسي وفياً لهذا المفهوم حتى آخر أيامه. فكتابه "الموجز في التحليل النفسي"، الذي بدأ بتأليفه في لندن(*) عام 1938 ولم يكمله بسبب وفاته عام 1939، يعتبر محاولة لصياغة نظريته في الشخصية ومركباتها ودينامياتها والأهمية المتميزة التي يكتسبها اللاوعي على صعيد تشكيل ملامحها وتبلورها.
ومن باب الإنصاف القول بأن لفرويد فضلاً في وضع اللاوعي داخل دائرة الضوء والوقوف عنده والتمعن فيه من أجل معرفة حدوده ومحتواه ونشاطاته ودوره في حياة الإنسان من غير أن ننسى مبالغته التي جعلت من اللاوعي ينهض بدور المحرك الأساسي لنشاط الشخصية وديناميتها. والحقيقة الموضوعية تفرض علينا أن نقول أيضاً بأن اللاوعي ليس من مبتكرات فرويد، وإنما هو أحد المفاهيم التي شغلت الكثير من الفلاسفة السابقين وأدلوا بآرائهم حولها. فالبحث في عمق الإنسان وباطنه لم يتوقف قط منذ أن ظهرت محبة الحكمة لدى الناس. وكان توزع أفعال البشر بين الخير والشر تدفع المفكرين إلى التساؤل عن أسباب ذلك. وقد اكتست إجاباتهم قديماً طابعاً مثالياً تمثل، على سبيل المثال، في الطبيعة الإنسانية ذات القطبية الثنائية. فإما أن تكون هذه الطبيعة خيرة، أو شريرة، أو أنها، في حالات أخرى، مزيج من الخير والشر. كما تمثل في تقسيم النفس إلى قوى عاقلة خاضعة، وأخرى شهوية مسيطرة. ويؤلف أصحاب الرأي الأخير تياراً متماوج الألوان، يبدأ بأفلاطون ويستمر حتى الآن، ماراً بديكارت وسبينوزا وكانت وهيوم وهيغل وفرويد نفسه وغيرهم.
ويعتبر ليبتنز أول من استخدم مفهوم اللاوعي عندما ميز عبر تأملاته في العقل البشري بين مستويين من العمليات العقلية: مستوى الأفعال الواعية، ومستوى الأفعال اللاواعية. ومنذئذ أصبح اللاوعي مفهوماً متداولاً بين المفكرين الذين تناولوا مسألة البنية النفسية.
ومن جانب آخر، أثارت فكرة ليبنتز مناقشات كثيرة وطويلة، تركزت حول إمكانية الإنسان على معرفة المستوى اللا وعي من الأفعال العقلية. فقد وقف الفيلسوف كانت من هذه الفرضية موقفاً إيجابياً. واعتقد أن بمقدور الإنسان معرفة مادعاه ليبنتـز "الإدراكات الصغيرة" أو ما أسماه هو بـ"التصورات الغامضة" معرفة غير مباشرة.
واحتل موضوع اللاوعي مكاناً هاماً في فلسفة هيغل. فقد انطلق هذا الفيلسوف من وجود مخبأ "لاواع" ومبهم في أغوار النفس الإنسانية. ووصف هذا المخبأ بأنه "عالم بلا حدود من الصور والتصورات الكثيرة التي ليس لها وجود في الوعي"(هيغل، 1972، ج3، 256، 257). وتحدث عن انتقال هذه الصور والتصورات وتحولها إلى وعي لتنضم إلى الخبرة الحياتية المباشرة للفرد.
أما آرثر شوبنهاور فقد ذهب مذهباً آخر في معالجة هذا الموضوع. حيث وجد في كتابه "العالم كإرادة وتصور"(1819) أن الإرادة هي أصل الأشياء وأساس كل ماهو موجود. وهي، بالنسبة له، قوة كونية عمياء، لا واعية، لا تخضع لأية قواعد منطقية أو أحكام عقلية أو أخلاقية. بينما اعتبر التصور مظهراً أولياً من مظاهر الوعي. وعن طريقه يتعرف الإنسان على الوقائع الوجودية.
ويبدو واضحاً ذاك البعد العالمي الذي أعطاه شوبنهاور للإرادة وتلك القدرة الخارقة التي منحها إياها باعتبارها علة الوجود. أما اللاوعي كمركب نفسي ذاتي فإنه يؤلف، في تصوره، حالة صغيرة ودقيقة من تجليات الإرادة الكونية اللاواعية. فهو ينشأ عنها أثناء التطور الإنساني.
وبالاعتماد على هذه المقدمة حدد شوبنهاور علاقة الوعي باللاوعي على النحو التالي: "إن الوعي هو الحالة البدائية والطبيعية للأشياء كلها. وبذلك يكون اللاوعي هو التربة التي منها تنمو لدى بعض أنواع الكائنات الحية زهرة الوعي السامية"(ليبين، 1981، 27).
وبذا يكون شوبنهاور قد مهد الطريق أمام ظهور تفسيرات ذات طابع لاعقلاني، كالتي قدمها فريدريك نيتشه(1844-1900م) وإدوارد فون هارتمان. فقد طرح نيتشه مسألة الإرادة والنزوع إلى السلطة، وحدد طبيعتها كقوة لا واعية مسؤولة عن كل ما يفعله الناس. وذهب هارتمان إلى القول بـ"ميتافيزياء اللاوعي". وعرض نظريته هذه في كتابه "فلسفة اللاوعي"(1869) وقد لاحظ ليبين أن هذه النظرية تتضمن جميع العناصر التي دخلت، فيما بعد، في نظرية فرويد:"الاعتراف بأهمية اللاشعور في النشاط الحيوي لكل إنسان، والوقوف ضد قصر النفس على الأفعال الشعورية وحدها، وتأكيد دور اللاشعور في الإبداع عند الفرد، ومحاولة تفسير تلك الروابط المتبادلة بين الشعور واللاشعور التي تجري في العالم الداخلي للإنسان، رغم أنه لا يعيها أحياناً"(ليبين،
1981، 27).
وإلى جانب الفلاسفة، كان علماء الطبيعة، بدورهم، يؤكدون وجود عمليات نفسية لا واعية. فقد قال فخنر بـ"الإحساس اللاواعي"، وهيلمهولتز بـ"الاستنتاج اللاواعي". وقد أشار كاربانتر، فيما بعد، إلى النشاط اللاواعي الذي يقوم به الدماغ البشري.

إن سنة التطور الفكري والعلمي تحتم علينا أن ننظر إلى الآراء المذكورة وما شابهها بوصفها الأرضية التي ظهرت عليها نظرية فرويد في اللاوعي.
وفي نفس الاتجاه يمكننا أن نمضي لتلمس الآثار التي خلفتها تعاليم هؤلاء الفلاسفة وغيرهم في موقف مؤسس التحليل النفسي من الدوافع الطبيعية وماتلعبه الغرائز الجنسية وغرائز الموت في نظره من دور في حياة الإنسان. ولعل هذه المهمة ليست بالأمر الصعب، إذا عرفنا أن تلك الآثار تتجسد في اقتباسات فرويد واستشهاداته والمراجع والمصادر التي يشير إليها في أعماله.
ولعلنا نتذكر الانطباع المتميز الذي سجله فرويد حول شخصية شاركو العلمية، وأنه لم يستطع مقاومة تأثيره أو إخفاء قوة جاذبية أفكاره وفضلها في توجيه انتباهه نحو الأسباب البعيدة لمرض الهستيريا. فهاهو يعيد على مسامعنا ما التقطه على لسان شاركو حينما كان هذا الأخير يصف ذات مرة حالة امرأة شابة مصابة باضطرابات عصابية: "في مثل تلك الحالات يكون الجنس دائماً هو أكثر الأشياء أهمية، دائماً، دائماً، دائماً"(فرويد، 1923، 26).
لم يكن شاركو ـ كما عرفنا في حينه ـ من ذوي النزعة الغريزية في تفسير الحالات المرضية التي كان يشرف على معالجتها. وأغلب الظن، أنه اعتمد في حكمه هذا على معطيات محددة ذات صلة مباشرة بأعراض مرضية خاصة ومتميزة. والكلام هنا يدور حول القصور الجنسي الذي يعاني منه زوج المريضة. ولكن عبارة شاركو التي همس بها إلى أحد زملائه استوقفت فرويد الذي كان يصغي إلى حديث الرجلين وهو على مقربة منهما. ووجدت لديه صدى كان يتسع ويتعمق بسرعة كلما ألحت عليه طموحاته ورغباته. وراح يجول ببصره وفكره في التراث الفلسفي والأنتروبولوجي والاجتماعي بحثاً عما يناسب منطلقه.
إننا نميل إلى التسليم بأن الإنشاءات الفرويدية لم تقم في فراغ، وأن التراث الإنساني هو من الغنى والتعدد والشمولية والتنوع، بحيث يمكن النظر إليه كبناء متدرج ومتكامل، ولو أنه، بطبيعة الحال، غير كامل، وينطبق هذا الكلام أكثر على القضايا الإنسانية بعامة والنفس أو الوعي بخاصة. فدوافع الأفعال الإنسانية هي إحدى المشكلات التي حظيت باهتمام المفكرين والباحثين منذ القديم. وقد ظهرت بشأنها آراء عديدة ومختلفة يصعب حصرها. ومن بين تلك الآراء ما يعتبر سلوك الفرد نتيجة لوجود الرغبة. ولكن مفهوم الرغبة بحد ذاته يختلف في قوته ودوره من مفكر إلى آخر. فقد قصر بعضهم دوره على جانب من السلوك(أرسطو)، ووسعه آخرون ليشمل مسؤولية الحفاظ على الجنس البشري(سبينوزا). بينما تحدّث فريق ثالث(أمبدوقل، مثلاً)، عن قوتين متعارضتين تحركان أفعالنا وتصرفاتنا. وهاتان القوتان هما الحب(أفروديت) والكراهية(آريس). ولا يخفى التشابه القائم بين ماجاء به فرويد وأمبدوقل. وهو ما اعترف به فرويد نفسه وأعطى رأيه من خلاله بأمبدوقل، واعتبره "أعظم وأبرز الشخصيات في الحضارة اليونانية"(ليبين، 1981، 45). كما اعترف بوجود تشابه بين رأيه ورأي شوبنهاور حول العلاقة بين غرائز حب البقاء وغرائز الموت. فعندما يؤكد مؤسس التحليل النفسي أن "الموت هو الهدف النهائي للحياة"، وأن جميع الغرائز والرغبات التي تنشأ على أساسها وتعبر عنها تتوجه بالكائن الحي عبر نشاطها وصراعها إلى ذلك الهدف، فإنه يعيد ماقاله شوبنهاور من أن "الموت هو الهدف الحقيقي للحياة"ـ(فرويد،
1985، 67).
وبالإضافة إلى كل ما سبق فإن بحث فرويد في التراث الفلسفي تعدى المبادئ والأفكار العامة ليتناول تفصيلات إنشاءاته النظرية. ونقصد بذلك الإسقاطات الميثولوجية التي لجأ إليها بعض الفلاسفة قبل فرويد. فقد اتخذ هيغل، مثلاً، من أسطورة أوديب وسيلة لإيضاح موقفه من الأفعال التي تجري في الجانب الغامض من النفس الإنسانية والتي لا يعيها الفرد، حيث يقول: ".... إنه لا يبين للابن أن الشخص الذي أهانه هو أبوه، وأن الملكة التي يتزوجها هي أمه"(هيغل، 1972، ج4، 251). وفعل أفلاطون، من قبل، الشيء ذاته ليدلل على أولوية النشاط اللاعقلاني الذي يقوم به الفرد من أجل إرواء غرائزه الطبيعية. فقد تدفعه غريزته الجنسية إلى حد محاولة معاشرة أمه دونما تردد أو تلكؤ(أفلاطون، 1971، ج1، 391).
ولئن كان هدف أفلاطون وهيغل من الاستشهاد بأسطورة أوديب هو إبراز سيطرة البداية البهيمية في النفس الإنسانية ولا عقلانية الغرائز وطغيانها على ما عداها من الجوانب النفسية الأخرى(بالنسبة للأول)، أو التأكيد على ضعف قدرة الإنسان على وعي جميع أفعاله ودوافعه(بالنسبة للثاني)، فإن فرويد اتخذ من هذه الأسطورة قانوناً عاماً يفسر به المظاهر الثقافية والاجتماعية والدينية والأخلاقية والنفسية. وعلى الرغم من أن بالإمكان تحميل أسطورة أوديب معاني ومدلولات عديدة بتعدد الزوايا التي ينظر إليها من خلالها، إلا أن فرويد لم يشأ أن يجد فيها أي شيء آخر سوى عبودية بني البشر لشهواتهم ورغباتهم الجنسية.
لقد تصدت أعمال فرويد للإجابة على أكثر محاور التساؤل المطروح على علم النفس أهمية. وهذا ما يتجسد في تناوله لبنية النفس وعوامل نشأتها ونموها والقوى المحركة لها(الدافعية). ولكنه بنى معالجته لهذا الموضوع على مسلمات وفرضيات من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، الوصول إلى معطيات تجريبية أو ميدانية بشأن صحتها. فقد تصور الدافعية على شكل طاقة تنشط داخل نظام عضوي مغلق ومستقل. وأن هذه الطاقة ذات الطبيعة الجنسية تحدد في سنوات الطفولة الأولى نمط الشخصية ومصيرها.
ولعله من الحقائق العلمية والتاريخية القول بأن هذا التصور كان نقطة ضعف بارزة في مذهب التحليل النفسي الفرويدي استهدفتها غالبية الحملات الانتقادية التي وجهت إليه. كما كان سبباً مركزياً في تبرم واحتجاج أبرز أعضاء الرابطة الدولية للمحللين النفسيين.
ومما زاد من حدة مواقف هؤلاء، هو إصرار فرويد على ضرورة التسليم بالطاقة الليبيدوية كمبدأ عام وشامل يسري على الحالات المرضية والسوية في مختلف البيئات الثقافية، القديمة منها والحديثة. فقرروا الانفصال عنه وتكوين تيارات تعكس اتجاهاتهم وآراءهم في مسائل علم النفس والتحليل النفسي.












عرض البوم صور فيصل العاصمي   رد مع اقتباس
قديم 08-11-2010, 03:03 AM   المشاركة رقم: 38
الكاتب
عضو أكاديمية علم النفس

المعلومات
المهنة: معلم علم نفس (أكاديمي)
التسجيل: Aug 2010
العضوية: 8938
الدولة: ابها
المشاركات: 278
بمعدل : 0.21 يوميا
التوقيت
الإتصال فيصل العاصمي غير متواجد حالياً


كاتب الموضوع : فيصل العاصمي المنتدى : قـاعـة : الـمـواضـيـع الـنـفـسـيـة الــعــامــة
افتراضي

الفصل التاسع عشر
علم النفس الفردي


ظهر علم النفس الفردي بوصفه أحد تيارات التحليل النفسي من خلال أعمال ألفرد آدلر a.adler(1870-1937م) أحد أطباء فيينا البارزين الذين شاركوا بقسط وافر في الرد علىحملة الانتقادات التي تعرض لها فرويد عقب صدور كتابه "تفسير الأحلام". فقد نشر خلال ثلاثة أعوام تقريباً عدة مقالات دافع فيها بحماس شديد عن أطروحات مؤسس التحليل النفسي، ولاسيما الأهمية التي يكتسيها فك رموز الأحلام في الوقوف على الأسباب الحقيقية للأمراض النفسية. ولقد ثمن فرويد موقف آدلر عالياً فوجه إليه الدعوة للانضمام إلى "جماعة الأربعاء". ومنذ عام 1902 صار آدلر عضواً نشيطاً فيها. وباقتراح من فرويد أيضاً ترأس آدلر جمعية المحللين النفسيين الفييناويين، وتولى الإشراف على تحرير "مجلة التحليل النفسي ـ zeitschrift fur psychoanalyse" التي كان فرويد رئيس تحريرها. وفي عام 1907 أصدر آدلر مؤلفه الأول بعنوان "نقص الأعضاء ـ inferiority of organs " وقد خصصه لعرض الإطار العام لنظريته. وشهدت السنوات التالية حواراً ساخناً ومناقشات حادة داخل جماعة المحللين النفسيين. وتبعاً لذلك كانت أفكار آدلر تتبلور شيئاً فشيئاً، ومواقعه تبتعد أكثر فأكثر عن التعاليم الفرويدية إلى أن أعلن انفصاله عن فرويد عام 1911، وأنشأ جماعة خاصة أطلقت على نفسها اسم "جمعية الدراسات التحليلية النفسية الحرة ـ society for free psychoanalitic research". ومنذ عام 1912 أصبحت تعرف باسم "علم النفس الفردي". وبدأت بإصدار "مجلة علم النفس الفردي"، وفي هذه الأثناء نشر آدلر كتاباً بعنوان "قانون العصاب" وقد اعتبر هذا الكتاب بمثابة الإعلان عن ميلاد "علم النفس الفردي".
ومع بداية الحرب العالمية الأولى التحق آدلر بالقوات المسلحة النمساوية. وبقي فيها إلى أن وضعت الحرب أوزارها. ومنذئذٍ تحول اهتمامه نحو قضايا التربية والتنشئة الاجتماعية.
وفي هذه الفترة ضاعف نشاطه الدعائي والتنظيمي داخل وخارج جماعة علم النفس الفردي التي كانت تضم أعضاء من بريطانيا وسويسرا وهولندا وفرنسا والنمسا. وتوج نشاطه بتأسيس "الرابطة الدولية لعلم النفس الفردي ـ international association of individual psychology".
وفي عام 1935، وجد نفسه مضطراً لمغادرة النمسا والنزوح إلى الولايات المتحدة الأمريكية.وهناك تابع عمله العيادي، واشتغل بالتدريس في جامعة كولومبيا. وبعد عامين سافر إلى سكوتلندا. وتوفي فيها.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية أنشئت جمعية لعلم النفس الفردي. وكانت تصدر مجلة باسم "المجلة الأمريكية لعلم النفس ـ american journal of individual psychology".
كان آدلر أحد أعضاء جماعة التحليل النفسي الذين عارضوا موقف فرويد من "الغريزة الجنسية"، واعتبارها الدافع المركزي للسلوك البشري. ومع تسليمه بأهمية هذه الغريزة، فإنه، بالمقابل، رفض أن تكون كل شيء في حياة الإنسان. وقد أقام رفضه على قاعدة نظرته الإيجابية إلى المجتمع.وبدا له، عبر هذه النظرة، الدور الكبير الذي تقوم به الأسرة في تنشئة الطفل وإعداده.
إن العامل الاجتماعي، حسب ما يراه آدلر، وليس العامل العضوي، هو الذي يقرر وضع الفرد في الحاضر والمستقبل. وهذا ما يتجلى في الوقائع الحياتية التي تقدم لنا متى نشاء عدداً لا يحصى من البراهين والأدلة القاطعة. ويكفي أن نسلم مع آدلر بعجز الإنسان بعد ولادته وعيوبه العضوية لكي نقف ـ كما يقول ـ على البدايات الأولى لتكوينه النفسي. فهذا العجز وتلك العيوب تولد لدى الطفل بالضرورة شعوراً بالنقص. ويرى آدلر أن الطفل يرمي وراء كل ما يفعل وما يبنيه من علاقات إلى تجاوز عقدة النقص عنده، بل وإلى إظهار تفوقه، وهذا يعني أن رغبة الإنسان في تأكيد ذاته، وإرادته في السيطرة تحددان تطوره اللاحق. وللتعبير عن آلية هذا التطور يطرح آدلر مفهوم "التعويض ـ compensation" أو "التعويض الأعلى ـ super - compensation".

ويعتقد آدلر أن الطفل يتعرف على صفاته وإمكانياته العضوية من خلال تجربته الاجتماعية.
وبفعل المعاناة الطويلة من الشعور بالنقص يتبلور هدفه في تجاوز ضعفه الطبيعي وتذليل العقبات والصعوبات التي تواجهه في بناء علاقاته الاجتماعية. وكلما أدرك الطفل تلك العقبات والصعوبات وأحس إزاءها بضعفه، كان أكثر تصميماً ومثابرة على البحث عن مواطن قوته وتلمسها وتوظيفها من أجل التفوق. ويحدث ذلك مع نهاية العام الثاني من الحياة، حينما يكتشف الطفل(أناه) ويبدأ برسم هدفه الأخير.
وهكذا فإن مهمة المحلل النفسي، بالنسبة لآدلر، تكمن في الحكم على الهدف النهائي للإنسان. وهذا ما لا يتيسر إلا عبر معرفة الكيفيات التي يتجاوز بها الفرد مصاعب الحياة. ومن شأن أداء هذه المهمة أن يفسح المجال واسعاً أمام التعرف على أسباب ظهور هذه الخصائص النفسية أو تلك، والتنبؤ بالملامح التي سوف تتخذها الشخصية في المستقبل(الطبع، الانفعال، الخلق، الحس الجمالي، التفكير...). كما يمكن المحلل من تحديد مدى انحراف الفرد عن القواعد العامة للسلوك وحجم المخاطر التي تنجم عن ذلك. يقول آدلر: "لقد تعلمنا أن نجد في أية حركة نفسية ماضي الإنسان وحاضره ومستقبله وهدفه النهائي معاً، وكذا الشكل الأولي للموقف الذي تكونت فيه شخصية العميل في سن مبكرة... والظواهر النفسية... هي حركة موجهة دوماً نحو الهدف"(تاريخ علم النفس، "نصوص"، 1986، 134).
إن آدلر، وإن اختلف مع فرويد حول موضوع الرغبات وطبيعتها، فإنه يتفق معه من حيث المبدأ على وجودها كقوة تدفع المرء من أجل إشباعها. وبينما وجد فرويد أن هذه الرغبات تتمثل في الغريزة الجنسية، رأى آدلر أنها تكمن في التعويض والتعويض الأعلى. ولكن نظرة آدلر إلى التعويض لا تختلف عن نظرة فرويد إلى الغريزة الجنسية. فقد رفع هذا المفهوم إلى درجة المبدأ العام الذي يفسر به خصائص النمو الفردي ومراحل تطور الجنس البشري. وفي هذا يقول:"وهكذا فإن عملية التعويض التي تتوضع بعمق في أساس الحياة الإنسانية برمتها هي قوة إبداعية. وقد أوجدت الثقافة الإنسانية كوسيلة لحفظ الجنس البشري وكأشكال للتعبير ووسيلة لحياة الفرد، وكرد فعل من جانب العضوية على ضغط العالم الخارجي وكوسيلة دفاع
(sieherungen)، وكمحاولات مستمرة لإحلال التوازن بين تأثير القوى في منظومة الإنسان ـ الأرض ـ المجتمع ـ الجنس".(تاريخ علم النفس "نصوص"، 1986، 134).
وحالما يحس الطفل بنقصه فإنه يتوجه إلى الخارج، أي إلى وسطه الاجتماعي، لينتقي عناصر سلوكه التعويضي. ويشير آدلر إلى أن الحالات والمواقف الخارجية ليست سبباً كافياً لتكون السلوك ما لم تقترن بالعمليات النفسية الوسيطة. وهنا يتحدث مؤسس علم النفس الفردي عن أسلوب حياتي خاص بالفرد، يطبع نشاطه ويوجه تمثله للتجربة الذاتية منذ الصغر. فالواقعة أو الحادثة الواحدة، برأيه، لا تثير لدى شخصين نفس المشاعر وردود الأفعال، وهذا ما يفسر السلوك المنحرف لشخص نشأ وترعرع في كنف أسرة طيبة وفاضلة، والسلوك السوي لإنسان ينتمي إلى أسرة شاذة.
ويصنف آدلر المواقف التي تتوافر من خلالها الشروط الرئيسية لنشأة الشعور بالنقص في الأربع أو الخمس سنوات الأولى من حياة الفرد في ثلاث فئات. وتشمل الفئة الأولى منها نسبة لا بأس بها من الأطفال الذين ينمو لديهم الشعور بالنقص نتيجة عاهة أو نقص عضوي. وهم ينظرون إلى عاهتهم أو نقصهم كعائق يحول دون حياتهم العادية. ومع ذلك فإن وضعهم يتحسن حينما يجدون الأسلوب المناسب في الحياة. فيعالجون نقصهم ويتمثلون معاناتهم الناتجة عن هذا النقص بصورة إيجابية وفعالة. وبصرف النظر عن المسحة التشاؤمية التي تطبع علاقاتهم بالواقع المحيط، فإنهم يجتهدون لاستيعاب أساليب وتقنيات تمكنهم من تغطية عاهتهم وتجاوزها، بل ومن إحراز التفوق في الميادين التي تتطلب مستوى عالياً من توظيف العضو، موضوع العاهة. ويضرب آدلر أمثلة معروفة في تاريخ الأدب والفن تدلل على أن "كل ذي عاهة جبار". ومن هذه الأمثلة قصة الخطيب اليوناني ديموستين الذي عانى خلال سنّي طفولته من اضطرابات في النطق، واستطاع أن يتغلب على عاهته بإرادته القوية ومثابرته ودأبه، وقصة الموسيقار الألماني المشهور بيتهوفن الذي دفعه ضعف قدرته السمعية إلى رفع التحدي وتحقيق تفوق كبير وانتصار عظيم.
ومنها أيضاً قصة الأديب الشاعر الألماني شيلر الذي ساعده ضعف بصره على كتابة أروع المسرحيات. ولم ينسَ آدلر أن يربط نتائج صراع الإنسان من أجل تأكيد ذاته بعوامل شتى، أهمها التشجيع الذي يتلقاه من الآخرين.
وتضم الفئة الثانية الأطفال المدللين الذين يحاطون من قبل ذويهم بحماية مفرطة، ويحيون حياة رغدة وسهلة، ولعل ما يميز هؤلاء الأطفال هو غياب الشعور بالقيمة الذاتية لديهم. الأمر الذي يعني ضعف شخصياتهم وعدم قدرتهم على الصمود أمام أول امتحان يتعرضون له بمفردهم.
وعندما تضع صروف الحياة حداً للمساعدات التي كان يهرع أهلوهم لتقديمها لهم أو تقلص منها، فإن الغد يبدو لهم تعيساً. ويفقدون كل أمل في أن يجلب لهم المستقبل الدفء العاطفي والراحة النفسية. ويعجزون عن إيجاد صيغ للتفاهم مع الآخرين وإقامة علاقات عادية معهم.
أما الفئة الثالثة فإنها تحتوي على الأطفال القساة، المشاكسين الذين يلفون أنفسهم دوماً في حالة عداء مع الآخرين.
ولعل ما ذكرناه حول تصنيف المواقف الحياتية كاف لكي يقف المرء على الأهمية التي منحها آدلر للظروف الاجتماعية والاقتصادية التي ينشأ الطفل في ظلها. وقد انعكس ذلك في محاولته للتعرف على المؤسسات الاجتماعية وتأثيرها على حياة الأفراد ونشاطاتهم الداخلية.
وأمام هذه المواقف والأوضاع يوصي آدلر المربين بمتابعة الأطفال والتحلي بالصبر في الحالات الصعبة، والابتعاد عن أساليب التسلط والمعاملة الخشنة وعن كل ما يؤدي إلى إهانة الطفل والحط من إمكانياته والاستهزاء به والسخرية منه. ويرى أن من الأولويات التي يتعين الاهتمام بها والحرص عليها هي زرع الثقة لدى الأطفال بذواتهم وتعزيز تفاؤلهم بمستقبلهم.
إن التحليل الذي قدمه آدلر والأسس التي انطلق منها والأدوات والمصطلحات التي استخدمها توضح إلى حد بعيد مساحة خلافه مع فرويد. بيد أن تفحصها بعناية ودقة يكشف عن نقاط التقاء واتفاق الرجلين.صحيح أن آدلر لم يكن ينظر إلى الرغبات اللاواعية إلا باعتبارها وقائع ذات صلة مباشرة بالوعي. ولكن كان يضفي على معاناة الفرد الناجمة عن قصور عضويته طابعاً لا واعياً. ويتبدى ذلك على نحو بارز لدى تحليله للسلوك العصابي. فالمريض، في رأيه، يهرب إلى المرض خوفاً من مواجهة الواقع وما ترتبه هذه المواجهة من إخفاق مؤكد. ولسان حاله يقول:"لو لم أكن مريضاً، لفعلت كذا... ولقمت بكذا.... ونجحت كما ينجح الآخرون". أو "لولا ظروفي الصحية لرأيتم مقدرتي على حل هذه المشكلة...".ويفسر آدلر هذا السلوك المرضي بالمقاومة التي يعتبرها وسيلة دفاعية تعكس رغبة المريض في بقاء حالته، ومعارضته للعلاج خشية المهمات والمسؤوليات التي تنتظره بعد شفائه.
ويستعمل آدلر في نفس السياق مفهوم النقل الفرويدي، ولكن ليس بالمعنى الذي قصده فرويد، وإنما بوصفه أسلوباً يلجأ إليه المريض طلباً للمزيد من الرعايةوالمساعدة.
وعلى الرغم من أهمية الاطلاع على الأوضاع الاجتماعية وأساليب تنشئة الطفل التي أكد عليها آدلر في إطار منهجه في التحليل النفسي للفرد، فإنه لم يرفض استعمال تفسير الأحلام،بل وجد فيه طريقة مجدية ومفيدة إذا ما أحسن المحلل التعامل معها. وقد قصد بهذا الشرط "(حسن التعامل)"، توسيع المدى الزماني للحلم ليشمل بالإضافة إلىماضي الشخص؛ حاضره ومستقبله.
كما قصد به أيضاً إعادة النظر في الموضوعات الأصيلة للحلم ودلالاته، فالحلم لا يعبر في اعتقاده عن الرغبات الجنسية المكبوتة ـ كما قال فرويد ـ بقدر ما يعكس المشكلات التي تعترض سبيل الشخص في مجرى حياته الراهنة والحلول المطروحة والإمكانيات المتاحة أو التي يمكن توفرها لاحقاً للخروج منها.
والأمر الذي تلتقي فيه نظرية فرويد مع نظرية آدلر يتعلق بالمصادر الفلسفية التي نهلت كلاهما منها. فالقول بعجز الإنسان وعيوبه البيولوجية والفيزيولوجية الذي جاء به آدلر ليس جديداً على الفكر الإنساني. فقد أشار باسكال من قبل إلى نواحي القوة والوهن في الشخصية. ووجد أن الإنسان يجمع بين العظمة والتفاهة، وبين قوة العقل وضعف البدن.
كما أن النزعة إلى السيطرة والتفوق التي اقترن بها علم النفس الفردي كانت إحدى المسلمات الرئيسية في فلسفة نيتشة. ولقد عرفها هذا الفيلسوف بأنها غريزة الخلق والإبداع وجوهر الوجود الإنساني والهدف النهائي لنشاط الإنسان. وإن آدلر نفسه لم يخف تأثره بآراء نيتشه. وكان يقتبس عنه دون تكتم أو غموض، لأنه حين يفعل ذلك، إنما يعتمد، حسب تعبيره، على مفكر عظيم.
لقد خطا آدلر خطوة إلى الأمام بتركيزه على العامل الاجتماعي ودوره في بناء الشخصية. غير أنه، وبسبب موقعه في التحليل النفسي وتكوينه الفكري، توقف عند حدود الطبيعة الاجتماعية للإنسان المبدع، ولم يحاول الكشف عن الروابط الحقيقية بين ماهو طبيعي وماهو نفسي في الشخصية، واستنباط القوانين العامة لتطور صلات الإنسان بمجتمعه وانعكاسات ذلك على قدراته العقلية ودوافعه ونشاطاته المنتجة. ومع ذلك فإن خطوته المتقدمة شجعت الآخرين على دفع حركة التحليل النفسي في الاتجاه الاجتماعي.






الفصل العشرون
علم النفس التحليلي


يعتبر علم النفس التحليلي أحد التيارات الفاعلة على ساحة التحليل النفسي. وقد ظهر خلال العقد الثاني من القرن العشرين بفضل البحوث والدراسات التي أجراها أحد أعضاء الرابطة الدولية للتحليل النفسي النشيطين، وهو كارل غوستاف يونغ k.g.yung الذي ولد في سويسرا عام 1875م. وتوفي عام 1961م.
درس يونغ الطب في جامعة بازل. وبدأ نشاطه العلمي والعملي في عيادة الطب النفسي تحت إشراف جانيه، ثم بلولر. وانضم إلى الهيئة التدريسية في جامعة زيوريخ في العام الدراسي(1905-1906). وفي عام 1907 سافر إلى فيينا، وتعرف فيها على فرويد. ووجد لدى هذا الأخير الكثير من الأفكار التي تتفق مع توجهاته آنذاك. فعمل على الإفادة منها وتطويرها أثناء نشاطه العملي اللاحق. وفي عام 1909 سافر برفقة فرويد إلى الولايات المتحدة الأمريكية تلبية للدعوة التي تلقاها من ستانلي ـ هول. وهناك عرض خلاصة خبرته الميدانية في مجموعة من المحاضرات. وخلال تلك الأعوام برز يونغ كقطب من أقطاب التحليل النفسي. فكان أول رئيس للرابطة الدولية للمحللين النفسيين ومحرر أول مجلة ناطقة باسم التحليل النفسي johrbush.
وابتداء من عام 1911 اتخذت خلافاته مع فرويد طابعاً حاداً انتهت بانفصاله عنه وباستقالته من الرابطة ورفضه العمل في المجلة. وكان ذلك عام 1913. وبعد هذا التاريخ بقليل تخلى عن التدريس في الجامعة ليتفرغ كلية للنشاط العيادي. واستطاع في غضون فترة قصيرة أن يستقطب مجموعة من الأطباء النفسيين ويؤسس معها "نادياً سيكولوجياً"، تركزت نشاطاته بصورةعامة حول تبادل الآراء والخبرات العملية. وقد مارست المجموعة نشاطها هذا على شكل حلقات بحث كان يديرها ويوجهها يونغ. وبفضل أعماله وخبرته في ميدان الطب النفسي ذاع صيته، فقصده المرضى من مختلف البلدان، ومنها إنكلترا والولايات المتحدة. وهذاما شجعه على بذل المزيد من الجهد في مجال تخصصه. ومن أجل إشباع ميله إلى الفلسفة والإلمام بالنظريات الفلسفية القديمة والحديثة، وجد أن أفضل السبل التي تؤدي إلى هذا الهدف هو سبيل الاتصال المباشر بممثلي تلك النظريات والتعرف على مدى تمثلهم لها وتأثرهم بها. فزار الجزائر وتونس وشطراً هاماً من الصحراء الكبرى عام 1920. وخلال زيارته هذه تعرف، للمرة الأولى، على إحدى الثقافات الشرقية، ووقف على تأثيرها في سلوك أبناء هذه المنطقة وعاداتهم وتقاليدهم. واستغل فرصة وجوده في الولايات المتحدة الأمريكية خلال عامي 1924 و1925، فقصد "بويبلو" إحدى قبائل الهنود الحمر التي تعيش في المكسيك. واطلع على نمط الحياة فيها ونوع الروابط القائمة بين أفرادها. وفي عام 1926 سافر إلى كينيا لنفس الهدف. وأكثر من ذلك فقد دفعه شغفه بالفلسفة الهندية القديمة ورغبته في معرفة تعاليم الديانة البوذية وطقوسها إلى القيام برحلة إلى الهند وسيلان(سيرلانكا حالياً) عام 1937، وسوف تترك الانطباعات التي خلفتها مشاهداته ومطالعاته خلال هذه المرحلة بصمات واضحة على نتاجه العلمي فيما بعد. وربما يكون هذا الجانب واحداً من أهم العوامل التي عمقت خلافه مع فرويد، وأدت إلى ظهور مؤسسات تعكس هذا الخلاف وتؤكده. فقد تأسست الرابطة الدولية للطب النفسي عام 1933 التي انتخب يونغ على رأسها. كما أقيم عام 1948 معهد في مدينة زيوريخ يحمل اسم يونغ لتعليم علم النفس التحليلي ونشر مبادئه وأفكاره وطرائقه.
لقد عرف يونغ في الأوساط السيكولوجية، وفي المقام الأول من خلال طريقته في التداعي. وهذه الطريقة، وإن حملت ضمن مبادئها بعضاً مما أقيمت عليه طريقة التداعي الحر، فإنها تختلف عنها في بنيتها وأسلوب تطبيقها. فهي تذكرنا بالطريقة التي ابتكرها ابن سينا لمعرفة الأسباب الحقيقية والمباشرة للمرض. ذلك لأن كلاً من الطريقتين تعتمد في الوصول إلى الهدف المطلوب على استجابات المريض على الكلمات ـ المثيرات التي تعرض عليه.
وترجع نشأة طريقة التداعي التي وضعها يونغ إلى عام 1906. وهي تحتوي على مجموعة كبيرة من الكلمات ـ المثيرات(400 كلمة)، التي تتوزع على أسماء(241) وصفات(69) وأفعال(82) وأحرف وأعداد(18). وقد حرص يونغ على اختيار الكلمات الأكثر تداولاً لتجنب الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها












عرض البوم صور فيصل العاصمي   رد مع اقتباس
قديم 08-11-2010, 03:03 AM   المشاركة رقم: 39
الكاتب
عضو أكاديمية علم النفس

المعلومات
المهنة: معلم علم نفس (أكاديمي)
التسجيل: Aug 2010
العضوية: 8938
الدولة: ابها
المشاركات: 278
بمعدل : 0.21 يوميا
التوقيت
الإتصال فيصل العاصمي غير متواجد حالياً


كاتب الموضوع : فيصل العاصمي المنتدى : قـاعـة : الـمـواضـيـع الـنـفـسـيـة الــعــامــة
افتراضي

المفحوص، وتفادياً لإطالة الوقت الذي يستغرقه هذا الأخير في استجابته بسبب صعوبة الكلمة وليس بسبب أي شيء آخر.
ويحدد يونغ مهمة هذه الطريقة في دراسة مجموعة من العمليات الحسية والارتباطات النفسية الداخلية والقدرة على الصياغة الكلامية والعروض الحركية. ويجد أن لكل واحدة من هذه الوقائع النفسية نصيباً من الاستجابة. وبصرف النظر عما يقال عادة من أن التداعي يكون حراً، وأن بإمكان المفحوص أن يرد كيفما يشاء، فإن الحقيقة التي يبرزها يونغ هي أن المفحوص مرغم على البوح بالأشياء التي يعتقد خطأ بأنها من الأسرار(تاريخ علم النفس "نصوص"، 1986، 143-146).
إن أي تلكؤ أو تردد يبديه المريض(والإنسان عامة) أثناء الاستجابة على الكلمة ـ المثير يعتبر، في رأي يونغ، مؤشراً على وجود علاقة غير عادية مع الموضوع الذي تدل عليه الكلمة ـ المثير. وغالباً ما يكون هذا النوع من الاستجابات نتيجة تدخل قوي من الجانب الانفعالي.
لقد تمكن يونغ بفضل استخدام هذا الاختبار في نشاطه العيادي من ملاحظة بعض الحالات المرضية التي تختلف أعراضها ومسبباتها عما وصفه فرويد وفسره بالرغبات الجنسية الطفولية. فالاضطراب الذي يعاني منه الفصامي والانقسامات التي تحل بشخصيته ليست مما يمكن اعتباره "نتفاً منفردة من فعل الجماع"، مثلما قال فرويد عن الزلة وخفقان القلب والهستيريا وعصاب الحصر(فرويد، 1981، 94)، فتفسير كهذا يرفضه يونغ رفضاً قاطعاً ويعتبره أمراً"... يجب أن يوصف بما هو أسوأ من السخيف"(عاقل، 1981، 216). وهنا يكمن جذر الخلاف بين الرجلين، وتتضح بداية تكون نواة علم النفس التحليلي.
ومن المنطق الذي يحكم نظرتنا إلى الأشياء والحوادث، فإننا ندرك أن المعطيات التي جمعها يونغ أثناء ممارسته العيادية لا تعد سبباً وحيداً لانشقاقه عن فرويد، وأساساً كافياً لبناءاته الفكرية. وبعبارات أخرى فإن مجرد ذكر هذه المعطيات أو الإشارة إليها غير كاف البتة لتفسير التباين في وجهتي نظر فرويد ويونغ، وتتبع تطور الجوانب الرئيسية لعلم النفس التحليلي. وقد لا نختلف مع الرأي القائل بأن الحصول على هذه المعطيات تم بفضل إدخال تقنيات وأدوات جديدة. ولكننا لا نقف عند حدود هذا الرأي، ونمضي إلى أبعد منها فنقول بأن مثل هذه المعطيات يجسد ـ إلى جانب تلك التقنيات والأدوات ـ موقفاً نظرياً معيناً. فالمهمة متعددة الجوانب التي أوكلها يونغ إلى اختباره تتضمن إشارة على درجة كافية من الوضوح إلى علاقة تلك الأداة بموقفه النظري. وبوسعنا أن نتعرف على هذا الموقف، ونجمع خطوطه ومحاوره بالرجوع إلى مراحل حياته والأطوار التي مرت بها اهتماماته وتكونت عبرها معارفه.
لقد ألمحنا في فصل سابق إلى أن يونغ ولد وتربى في بيئة متدينة. وقد ساعده ذلك على الإلمام بتعاليم الديانة المسيحية، وصبغ ثقافته، فيما بعد، بالصبغة الدينية الصوفية، وخلق لديه ميلاً قوياً نحو الفلسفة دفعه للاطلاع على النظريات الفلسفية الغربية الحديثة، والفلسفات القديمة والسفر لإثراء معارفه بالمعايشة المباشرة لكثير من ثقافات الأمم والشعوب. ولهذا يمكن اعتبار يونغ أكثر قرباً إلى قضايا الفلسفة وأكثر دراية بمذاهبها بالمقارنة مع فرويد. وقد بدا هذا الفرق عبر اللقاءات الأولى التي جمعت الطرفين. فكان من نتائجها أن تبلور اهتمام فرويد بالتاريخ الثقافي للمجتمعات البشرية، كما ذكرنا في حينه.
وهكذا ينبغي إضافة المعارف الفلسفية التي كان يمتلكها يونغ ونتائج تحليله لمعطيات الثقافة الشعبية و الديانات والأساطير إلى معطيات تجربته العيادية لتكون الخطوط التي أنشأ منها نظريته التحليلية.
إن اعتراض يونغ على الدور الاستثنائي الذي تلعبه الرغبات الجنسية في الحياة النفسية لم يكن ليعني رفضه لجميع المفاهيم التي جاء بها التحليل النفسي الكلاسيكي. وبما أنه أحد أقطاب التحليل النفسي وصاحب اتجاه من اتجاهاته فقد أبقى على بعض تلك المفاهيم واستخدمها على النحو الذي ينسجم مع أفكاره وتصوراته. ومن بينها مفهوم "الليبيدو" الذي عنى به الطاقة النفسية التي تتبدى في خضم الحياة وتدرك كنزعة ورغبة ذاتيتين. فبعد أن كان هذا المفهوم يرمز إلى الطاقة الجنسية التي تتخذ أشكالاً محددة تعرف بها مراحل حياة الإنسان، أصبح الآن يشير إلى طاقة نفسية، تتضمن فيما تتضمن الرغبة الجنسية كشكل من أشكال تجلياتها. ففي المراحل العمرية الأولى تتجسد هذه الطاقة في غريزة التغذية التي تتولى مهمة إنضاج العضوية، وشيئاً فشيئاً يفسح النمو العضوي المتدرج والمتعاقب مجالات جديدة لاستعمال الطاقة الليبيدوية، آخرها وأهمها الغريزة الجنسية. يقول يونغ : "من وجهة النظر الوصفية، يرى التحليل النفسي تعددية الرغبات، ومن بينها الرغبة كظاهرة جزئية، وهو يعترف، فوق ذلك، ببعض التيارات الليبيدوية في الرغبات اللاجنسية.
والأمر، من وجهة النظر التكوينية، مختلف. فهنا ينظر إلى نشوء تعددية الرغبات من الوحدة النسبية، من الليبيدو: فعن الليبيدو الذي يقوم بوظيفة التكاثر تتفرّع تيارات ليبيدوية وتنضم إلى أشكال جديدة من تجلياته"(تاريخ علم النفس "نصوص"، 1986، 153).
ولما كان مفهوم الليبيدو يدل على القوة المحركة للسلوك الإنساني، فمن الطبيعي أن يرتبط عند يونغ ـ كما هو الشأن عند فرويد ـ بمكونات النفس وأقسامها.
ولعل أول ما يمكن تسجيله بصدد الحديث عن الجهاز النفسي هو اتفاق يونغ مع فرويد حول تقسيم النفس إلى وعي ولا وعي، وأسبقية اللاوعي وكبر مساحته وأهميته في حياة الفرد بمقارنته مع الوعي. ولكن يونغ يخلع على اللاوعي صبغة سيكولوجية بدلاً من الصبغة البيولوجية الفرويدية. وهذا ما أبرزه في مسلمته حول وجود أفكار رمزية وشاملة تنتقل بالفطرة عبر الأجيال، وتؤلف قاعدة لكل ما سوف يكتسبه أو يتمثله المرء من تصورات خلال مراحل حياته. وقدأطلق على هذه الأفكار اسم "الأنماط الأصلية أو الأولية archetypes".
والأنماط الأولية، في نظرية يونغ، هي مخططات رمزية، أو صور عامة تختزل خبرة بني البشر في الصراع مع العالم الخارجي عبر حقب مديدة من الزمن. وقد وجدت تلك المخططات والصور منذ القديم طريقها إلى البنية البشرية، وصارت جزءاً من مكوناتها. فالخوف الذي يعتري الإنسان المعاصر لدى رؤيته بعض الحيوانات، كالأفاعي مثلاً، أو عند حلول الظلام... ماهو، في اعتقاد يونغ، إلا راسب نفسي ورثناه عن أسلافنا البدائيين حينما كانوا يعيشون في المغاور والكهوف، ويتعرضون دوماً لتهديدات تلك الحيوانات وهجماتها. وتؤلف هذه الأنماط جزءاً هاماً من اللاوعي يسميه يونغ "اللاوعي الجمعي" ليميزه عن جزء آخر من اللاوعي يطلق عليه "اللاوعي الفردي أو الشخصي".
وعلى هذا النحو يحتفظ اللاوعي عند يونغ بالمكانة الهامة التي يحتلها في التحليل النفسي الفرويدي. ولكنه يختلف عن اللاوعي الفرويدي من حيث شكله ومضمونه. ومع أن تقسيم يونغ للاوعي إلى نظام جمعي وآخر فردي يعد جانباً ذا مغزى في هذا الاختلاف، إلا أن الجانب الأهم يكمن في خصائص كل منهما ودوره في حياة الفرد. فاللاوعي الجمعي( أو ما فوق الشخصي، كما يسميه، يونغ أحياناً)، يحتوي على ماهو مشترك بين الجماعة أو الشعب أو الإنسانية مما لايكتسبه الفرد في مجرى حياته. إنه يتضمن الغرائز الفطرية والصور الأولية، البدائية. وصحيح أن المولود الإنساني الجديد لا يحمل أي تصور عن العالم، ولكنه يملك دماغاً على درجة عالية من الدقة والتنظيم. وهو يرث هذا الدماغ، مع كل ما تثبت فيه من غرائز وأنماط وصور، عن الأسلاف بوصفه نتاجاً عضوياً للوظائف العصبية والنفسية التي كانوا يقومون بها. وتشتمل محتويات اللاوعي الجمعي على المعتقدات الجماعية والبشرية والأساطير، وعلى ما ورثه الإنسان عن الحيوانات. وهكذا ينظر يونغ إلى اللاوعي على أنه النظام النفسي الأهم والأقدم الذي يوجد بشكل مستقل عن نمو الفرد ووعيه وتجاربه.
ويستمد يونغ أدلته على وجود اللاوعي الجمعي من واقع ممارسته العيادية. فبعد أن اعترف بصعوبة إدراكه في الأحوال العادية يؤكد على وجود عناصره في الأحلام عبر الآثار الواضحة للصور الأسطورية، وبدرجة أكبر في حالات الاضطراب الذهني، ولاسيما الفصام. ومن الشواهد على وجود الصور الأسطورية والأفكار الرمزية لدى المرضى تلك الخيالات والتهيؤات التي تتكون لديهم والتي تشبه بمضامينها الصور الأسطورية والدينية التي نجدها عند مختلف الشعوب.وقد دفعته ملاحظاته هذه إلى القول بأن تلك الصور والأفكار هي تعبير عن عمل النفس الإنسانية اللاواعية(والحيوانية جزئياً)، التي تكونت نتيجة ما تركته تجربة الأسلاف القدامى من بصمات في بنية الدماغ.
أمّا اللاوعي الفردي فإنه يشغل من النفس الجزء العلوي الذي يتوضع على الطبقة الداخلية العميقة التي يحتلها اللاوعي الجمعي. ويحتوي اللاوعي الفردي على الذكريات والصدمات المنسية والنزوات والرغبات المكبوتة والعقد. وتؤثر هذه الوقائع والحالات النفسية على سلوك الفرد عن طريق آثارها التي تبقى في اللاوعي حتى ولو أ صبح إدراكها والشعور بها أمراً متعذراً تماماً. ويتضمن هذا النظام من اللاوعي، علاوة على ذلك، جميع الإدراكات والانطباعات تحت الواعية التي لم تشحن بالقدر الكافي من الطاقة كي تبلغ الوعي. ومن هذا المنظور فإن اللاوعي الفردي يرتبط مباشرة بالسيرة الذاتية للفرد وبتجاربه الحياتية. ويمكن الاطلاع على محتوياته(أو على بعضها)، بوساطة تفسير الأحلام والخيالات وتحليلها، وباستخدام طريقة التداعي.
وقد تثير فرضية اللاوعي الجمعي اعتراض الآخرين ودهشتهم. ومثل رد الفعل هذا لم يكن بعيداً عن حسابات يونغ وتوقعاته، بل إنه أشار إليه بصراحة وجلاء، وأرجع السبب في ظهوره إلى حداثة هذا المصطلح، مؤكداً، في الوقت ذاته، أن تداوله كفيل بتحويله إلى تصور مألوف، مثلما آل إليه مصير مفهوم اللاوعي. وبعد أن يستعرض الموقف العام من اللاوعي باختصار منذ هـ.كاروس وهارتمان يتوقف عند فهم فرويد له، ويسجل ملاحظاته حوله. فقد لاحظ أن فرويد ميز في أعماله الأخيرة بين الجانب الغريزي من النفس(الهو) والوعي الجمعي(الأنا الأعلى) الذي يعي الفرد جزءاً منه ويبقى الجزء الآخر مكبوتاً. ولكنه رغم ذلك وجد أن اللاوعي عنده ذو طبيعة فردية، ولا يتعدى كونه ميداناً للرغبات والنزوات الجنسية المنسية والمكبوتة.
إن طرح يونغ للاوعي الجمعي وأهميته على صعيد الفرد والمجتمع هو محاولة لتطوير فرضية العالم الأتنوغرافي الفرنسي ليفي ـ برول عن"التصورات الجمعية". وفي هذا السياق عقد مقارنة بين الصور الرمزية للمعتقدات البدائية التي حملها ليفي ـ برول لهذا المفهوم بالأنماط الأولية التي زعم أنها مكوّنات اللاوعي الجمعي. واستخلص أن مفهوم النمط الأولي يمكن استخدامه بصورة غير مباشرة في التصورات الجماعية، لأنه لا يعي سوى المضامين النفسية التي لم تخضع بعد للمعالجة الواعية، وبالتالي فإنها تعتبر معطى نفسياً مباشراً.
ولعل من أهم النقاط التي تضمنتها نظرية يونغ في اللاوعي تتمثل في التفريق بين النفس والروح. فالنفس تعني، بالنسبة له، العمليات النفسية الواعية وغير الواعية. بينما تتجسد الروح في مجموعة الوظائف التي يطلق عليها اسم "الشخصية". وهذا ما يوضحه في قوله: "أثناء قيامي بدراساتي التي كرستها لبنية اللاوعي وجدت لزاماً علي أن أبين الفارق المنطقي بين الروح والنفس. إنني أفهم من النفس مجموع العمليات النفسية الواعية منها وغير الواعية، وأفهم من الروح مركباً معيناً ومحدداً من الوظائف، الذي لا يمكن وصفه بأفضل من "الشخصية". ومن أجل وصف أدق لما عنيته بذلك يتوجب علي هنا أن أستميل أيضاً بعض وجهات النظر الأكثر بعداً. فخصائص ظاهرة الروبصةsomnabulisme(ازدواجية الطبع، انشطار الشخصية) التي يعود الفضل الأكبر في دراستها للعلماء الفرنسيين قادتنا إلى وجهة نظر مفادها أن في هذا الفرد أو ذاك يمكن أن يكون "عدد من الشخصيات"(تاريخ علم النفس "نصوص"، 1986ـ 161).
ويبدو من خلال ذلك أن يونغ يبتعد أكثر عن فرويد في النظرة إلى طبيعة اللاوعي ومحتواه. فبينما بدا اللاوعي عند فرويد وجوداً بيولوجياً وسيكولوجياً، أصبح عند يونغ ذا صبغة اجتماعية. وقد دأب على إبراز تلك الصبغة لدى تحديده لمحتويات كل من اللاوعي الجمعي واللا وعي الفردي ومصادرها. فالتصورات الرمزية التي تؤلف مضمون اللاوعي الجمعي هي رواسب الخبرة القديمة للبشرية. والحوادث والتصورات المكبوتة أو المنسية التي تشكل عناصر الوعي الفردي هي ثمرة التجربة الاجتماعية للفرد. ويتأكد النزوع الاجتماعي ليونغ أكثر في محاولته تقديم نظرية جديدة في الشخصية وإدخاله عدداً من المفاهيم المستحدثة، من مثل "الشخص" أو "القناع" و"الظل" و"الأنيما" و"الأنيموس" و"الشيخ الحكيم"، و"الذات". فقد أدخل يونغ هذه المفاهيم ليبرز تعدد مستويات النفس وتنوعها. وهي تشير بصورة رمزية إلى نواح محددة من النفس اللاواعية فالشخص persona أو personae(بالجمع) يرمز للناحية السطحية(الخارجية) من الشخصية، التي تتجلى في العلاقة المباشرة للإنسان بالآخرين دون أن تعكس وجهه الحقيقي. إنه صورة الإنسان التي يظهر فيها أمام نفسه وأمام الآخرين، أو القناع mask الذي ترتديه الشخصية لإخفاء حقيقتها. ويرمز الظل derschatten إلى كل ماهو منحط في أخلاق الإنسان. فقد قصد به يونغ وجود الجانب السلبي، القاتم في الشخصية الذي يحتوي على النزعات العدوانية والتخريبية، ويتوضع في أعماق النفس البشرية.
وتعبر الأنيما عن النمط الأول الأنثوي في الرجل، والأنيموس ـ عن النمط الأول الذكري في المرأة. ويرجع النمطان في نشأتهما إلى أصول جنسية قديمة. ولما كانا يشكلان نتاجاً نفسياً للعلاقات المشتركة بين الناس، فإنهما يعتبران في رأي يونغ، عاملاً هاماً في إحلال التناغم والانسجام بين الجنسين. ذلك لأن كل واحد منهما يحمل صورة عن موضوع الجنس المقابل. وغياب الانسجام والتفاهم بين المرأة والرجل يعود إلى اختلاف الصورة الأولية لدى كل منهما(أو لدى أ حدهما) عن الصورة الواقعية للآخر.
ويرمز مفهوم الشيخ الحكيم إلى حلم الإنسان وحكمته، وتغليب الواقع وإخضاع ما سواه من رغبات وحاجات لمعاييره.
أما مفهوم الذات فقد أدخله يونغ ليعبر به عن الوحدة الكلية للنفس بشطريها الواعي واللاواعي. فالذات أعم وأشمل من "الأنا" الذي يقصر يونغ استخدامه على الوعي. وهي غالباً ما تتجسد في التخيلات والتهيؤات اللاواعية، متخذة مظهر الشخصية المثالية، مثلما هو حال فاوست عند غوته، وزرادشت عند نيتشه.
وثمة مفهوم آخر يميز علم النفس التحليلي ويزيد من صبغته الاجتماعية. والمقصود هنا هو مفهوم التفرد individution. والتفرد ـ كما يعرفه يونغ ـ "هو عملية تشكل وانفصال كائنات فريدة...".(تاريخ علم النفس "نصوص"، 1986، 169)، ولهذا فإنه يقتضي تتبع التعبيرات الرمزية للأنماط الأولية عند هذا الفرد أو ذاك للتعرف على السمات المميزة للشخصية.
ويحتل التفرد مكان القلب بين المبادئ والأفكار اليونغية، لأن عملية التشكل والانفصال تعتبر، كما يقول يونغ نفسه، بداية تطور النفس البشرية ونهايته. وهذا القول يحمل دلالة إضافية على سعة "نفوذ" التفرد والمشكلات التي ترتبط دراستها به، وهي كثيرة ومتنوعة تتجاوز ما يتصل منها بالنمو الفردي إلى تطور البشرية، والقيم الحضارية، وموقع الإنسان المعاصر من ذلك.
ولقد توصل يونغ باستخدامه مفهومه الخاص عن التفرد إلى رسم لوحة رمادية لإنسان حضارة القرن العشرين. حيث وجد أن من النتائج السلبية للتطور الثقافي الذي عرفه العالم(الغربي على وجه التحديد) اختلال التوازن والاضطرابات النفسية التي تعاني منها الشخصية. ويرجع يونغ ذلك إلى اضمحلال دور الصور الرمزية للقيم التي يحملها الإنسان وخوائه الروحي مقابل الإشباع المادي الذي يتسم به العصر الحالي.
ويرى يونغ أن خلاص الإنسان المعاصر من "أزمة البحث عن النفس"، يكمن في العودة إلى القيم الروحية الحقة التي تكسب حياة الفرد معنى وأهمية. وأن تحقيق هذا الهدف يمر عبر التفرد.
ولعل ما تجدر ملاحظته هنا هو أن يونغ يعطي للتفرد صفة النقدية. وقد استعمل هذه الصفة في تحليله للحضارة الغربية وانعكاساتها على الجوهر الإنساني. واعتبرها، في نفس الوقت، أداة لتجاوز معاناة الإنسان في ظل هذه الحضارة. بيد أن علمه لم يبرح الدائرة الفردية السيكولوجية بسبب نظرته المثالية الضيقة التي لم تمكنه من رؤية الروابط الحقيقية بين الفرد ومجتمعه، والآثار السلبية لتبدل الشروط الحياتية الموضوعية في سمات الإنسان وقيمه.
وإذا عرف مؤسس علم النفس التحليلي بطريقة التداعي، فإن دراسته لأنماط الشخصية قد أسهمت بقسط وافر في انتشار أفكاره. فبالاعتماد على المعطيات الميدانية قسم يونغ ا لشخصية إلى نوعين أو نمطين: الشخصية المنبسطة، والشخصية المنطوية. حيث كشفت هذه المعطيات عن وجود سمات عامة لدى الناس إلى جانب الفروق الفردية بينهم، وقادته ملاحظاته لسلوك الأفراد وتتبع مجرى حياتهم إلى حقيقة مفادها أن بعضاً منهم يبدي اهتماماً واضحاً بالعالم الخارجي، بينما يعزف الآخر عن الموضوعات الخارجية ويتجه نحو ذاته ويهتم بعالمه الداخلي. إن كلاً منا ينحرف حتماً نحو هذه الناحية أو تلك، ويميل دوماً إلى تفسير الأشياء من زاوية النمط الذي ينتمي إليه. ويشير يونغ إلى أن أياً من النمطين لا يوجد بصورة مستقلة تماماً. فليس هناك شخص منطو تماماً، أو منبسط تماماً. ومن غير الممكن أن يوجد النمطان الواحد إلى جانب الآخر، وإنما يوجدان الواحد مع الآخر. وهذا يعني أن الشخصية الواحدة تتضمن عناصر الانبساط وعناصر الانطواء معاً، ولكن بنسب متفاوتة فمن طغت لديه عناصر الانبساط على عناصر الانطواء كانت شخصيته من النمط المنبسط. بينما تكون شخصيته من النمط الانطوائي عندما تسيطر لديه عناصر الانطواء على عناصر الانبساط.
على أن يونغ لا يعتبر تصنيف الناس في فئتين: المنبسطين في جانب، والانطوائيين في الجانب المقابل، نهاية المطاف، بل إنه خطوة أولى على طريق التمييز بين الأفراد على أساس اختلاف سماتهم النفسية. فقد كشفت الدراسات في هذا الميدان عن فوارق هامة بين الأفراد الذين ينتمون إلى أحد النمطين. وعليه فإن الخطوة الثانية تتمثل، من وجهة نظر يونغ، في تحديد أدق وأكثر تفصيلاً للأوجه التي يختلف فيها أفراد النمط الواحد.
ويعني ذلك القيام بتصنيف الناس ليس على أساس الفروق العامة العريضة بينهم فقط، وإنما تبعاً لتفاوت وظائفهم النفسية أيضاً. وقد اختار يونغ التفكير والإحساس والانفعال والحدس لتكون أساساً لتصنيف الناس إلى مفكرين وحساسين وانفعاليين(أوعاطفيين ) أو حدسيين. ومن ثم عمد إلى ربط هذه الأنماط الأربعة بالنمطين السابقين ليقدم مخططه النهائي لأنماط الشخصية. فكل واحد من الأنماط الأربعة يمكن أن يكون منبسطاً أو انطوائياً وفقاً لموضوعات اهتمامه وتوجهاته.












عرض البوم صور فيصل العاصمي   رد مع اقتباس
قديم 08-11-2010, 03:03 AM   المشاركة رقم: 40
الكاتب
عضو أكاديمية علم النفس

المعلومات
المهنة: معلم علم نفس (أكاديمي)
التسجيل: Aug 2010
العضوية: 8938
الدولة: ابها
المشاركات: 278
بمعدل : 0.21 يوميا
التوقيت
الإتصال فيصل العاصمي غير متواجد حالياً


كاتب الموضوع : فيصل العاصمي المنتدى : قـاعـة : الـمـواضـيـع الـنـفـسـيـة الــعــامــة
افتراضي

الفصل الحادي والعشرون
مدرسة المجال النفسي


على الجانب الأيسر من ساحة ألكسندر القريبة من بوابة براندبورغ في برلين تتربع حديقة على مساحة واسعة يقابلها، في الجانب الآخر من الساحة، قصر الامبراطور الذي لم يبق منه شيء. وقد شهد هذا المبنى الضخم خلال العقد الثالث من القرن العشرين نشاطاً مكثفاً لمؤسسي المدرسة الغشتالتية، بعد أن انتقلوا إليه في نهاية الحرب العالمية الأولى قادمين من فرانكفورت، وأقاموا فيه معهداً لعلم النفس تابعاً لجامعة برلين. وكان المعهد يضم آنذاك حوالي 150 شخصاً بين أستاذ ومساعد وطالب. ومنذ الوهلة الأولى لتأسيسه عين كيولر مديراً له. وأصبح ورتايمر أستاذاً ومشرفاً على الدراسات النفسية فيه. بينما لم يكن لزميلهما كوفكا نفس الحضور في هذه المؤسسة العلمية والتعليمية. وإلى جانب كيولر وورتايمر كانت الهيئة التدريسية في المعهد تتألف من عدد من الأساتذة المعروفين، أمثال إ.شبرانغر الذي عرف بمناهضته للغشتالتية وم.ديساور الاختصاصي في علم الجمال وك.غولدشتاين الذي كان يشرف على عيادة الطب النفسي في شاديت. ولعل من أبرزهم وأكثرهم نشاطاً هو ليفين الذي أقام مدرسة سيكولوجية عرفت بمدرسة "المجال النفسي".
ينتمي كورت ليفين KURT LEVIN إلى جيل واحد مع كل من كيولر وكوفكا، حيث ولد عام 1890م في ألمانيا وتوفي عام 1947م في الولايات المتحدة الأمريكية. وبعد أن نال شهادة الدكتوراه عام 1914 من جامعة برلين التحق بصفوف الجيش الألماني. وعقب انتهاء الحرب العالمية الأولى التحق بمعهد علم النفس في برلين كعضو في هيئته التدريسية. وبفضل أفكاره المتميزة وحريته في العمل وحسن تعامله مع الآخرين استطاع في غضون فترة قصيرة من الزمن أن يستقطب عدداً كبيراً من الباحثين الشبان من أوروبا وآسيا وأمريكا. ومن بينهم غيتابيرنباوم ونينا كاؤلينا وتمارا ديمبو(روسيا) وفرديناند هوب وس. شليسبرغ وس. فاينس وم. يوكنات وأ. كارستن(ألمانيا) وج.براون(الولايات المتحدة الأمريكية)، بالإضافة إلى أحد اليابانيين.
انطلق ليفين من أرضية مشتركة مع الغشتالتيين. فقد عاب على علم النفس آنذاك نظرته إلى النفس أو السلوك باعتبارهما حصيلة اتحاد عدد من المركبات الجزئية وارتباط مجموعة من العناصر البسيطة، وإهماله موضوع الحاجات والدوافع المحركة للشخصية. ووجد أن خطأ النظريات السيكولوجية يكمن في أنها بنيت على أساس أن الجزء يسبق الكل ويحدد خصائصه. ومنه فإن إصلاح هذا العلم يستدعي، في رأيه، تصحيح هذا الخطأ والاعتماد على مبدأ أن الكل هو الذي يحدد الجزء(الأجزاء)، وأن الجزء يتبع الكل ويعرف به. كما يستدعي الاهتمام بالدوافع التي يتوقف على معرفتها تفسير السلوك. فلتقديم صورة صحيحة وواقعية عن تصرفات الفرد وأفعاله ينبغي تجاوز معرفة الارتباطات القائمة بين الأشياء والحوادث. ذلك لأن إدراكنا للوقائع الخارجية وتذكرنا لها والحلول التي نقترحها لتذليل الصعوبات التي تصادفنا هي وقائع نفسية تشترط الدوافع حدوثها وتحدد قوتها. أما دور الارتباط فإنه، في اعتقاد ليفين، لا يتعدى الجانب الأدائي من الفعل النفسي. فهو يسهل حدوثه بعد أن يكون الدافع قد أطلقه.
ولعل موقف ليفين هذا، ولاسيما تشديده على أهمية الدافعية في معرفة طبيعة السلوك، واتجاهه، يذكر بآراء فرويد في هذا الموضوع. وليس من المستبعد أن يكون فرويد قد لفت انتباه ليفين إلى ذلك بصورة غير مباشرة. وأياً كانت حقيقة العلاقة بين الرجلين، فإن ثمة بعض المفاهيم التي استخدمها الاثنان وتواترت في أعمالهما كالدافعية وخفض التوتر وإزالته وإعادة التوازن.
ومع أننا نميل إلى الاعتقاد بأن ذلك ليس مجرد صدفة، فإن هذا لا يعني اتفاق أو حتى تقارب وجهتي نظرهما بشأن تلك المفاهيم. ولا يحتاج البرهان على ذلك إلى أكثر من الإشارة إلى اختلاف منطلقاتهما ومدخل كل منهما في دراسة النفس.
ذكرنا أن الدوافع عند فرويد هي تعبير عن الرغبات البيولوجية، الفطرية التي تتثبت موضوعاتها في مرحلة الطفولة الأولى. وللتعرف عليها والوقوف على الأسباب التي تكمن وراء أفعال الإنسان يتعين على الباحث أو المحلل النفسي أن يرجع إلى ماضيه ليعيد و"ينبش" في ركام خبراته الطفولية حيث لا تزال تعبيراتها تعيش بين طياتها. ولكن ليفين يتناول المسألة من زاوية أخرى. فهو يرى أن الدوافع تتكون عبر شبكة العلاقات المتبادلة والمباشرة بين الشخص وبيئته في لحظة معينة. وفي هذا رفض قاطع ليس للطابع البيولوجي الفطري الذي طبع فرويد الدوافع به واستبداله بطابع اجتماعي ـ سيكولوجي فقط، بل للاستعانة بخبرة الماضي في تفسير السلوك ما لم تكن هذه الخبرة على اتصال وثيق وتماس مباشر بالموقف العياني الراهن. وإذا نظر فرويد إلى علاقة الفرد بالمجتمع، على أنها علاقة صراع دائم ومستمر، فإن ليفين يلح على وحدتهما وتكاملهما واعتبارهما قطبين لمجال واحد، ويحرص على جمع الأدلة التي تدعم وجهة نظره.
لقد جعلت هذه الرؤية ليفين أكثر قرباً من المنطلقات الغشتالتية. فبصرف النظر عن خلافاته مع الغشتالتيين(وخاصة كيولر) والتي كانت تطفو على سطح العلاقات العلمية، بل وتلقي بظلالها على موقف كل منهم في قاعات الدرس وحلقات البحث داخل المعهد، وأثناء لقاءاتهم الخارجية، فإن ذلك لم يحل دون اعتماده على مبدأ التشاكل ISOMORPHISME ونظرية المجال(الحقل) الكهرو مغناطيسي، ومبادئ الفلسفة الفنومنولوجية. ومن المرجح أن يكون هذا الاتفاق انعكاساً لوحدة البيئة الفكرية والعلمية التي عاش فيها وتأثر بها الطرفان. فقد كان ليفين صديقاً حميماً لأحد أعلام الفلسفة الفنومنولوجية، وهو مارتن هيدجر، الذي كان يدرس الفلسفة في معهد علم النفس البرليني. كما كانت تربطه ببعض أعلام الفيزياء والرياضيات، كأنشتين مثلاً، صلات طيبة. فلا عجب أن يقع ضمن دائرة تأثير المنجزات الضخمة لتلك العلوم. وأن يقبل على معطياتها ويستخدم اكتشافاتها في تفسير الوقائع النفسية. ولا عجب أيضاً أن يشمله تأثير الفلسفة الفنومنولوجية التي احتفظت بجاذبيتها عقوداً من الزمن واحتلت خلالها مكانة الصدارة عند المثقفين الألمان.
ولعل ما كان يشغل بال ليفين منذ بداية مسيرته العلمية هو السؤال عن الأسباب والدوافع التي تجعل الإنسان يتصرف على هذا النحو أو ذاك في المواقف الحياتية. وقد انطلق في إجابته على هذا السؤال من ضرورة التخلي عن النظر إلى الدافع كقوة خفية تعمل بمعزل عن الوسط الذي يتحرك به الإنسان، وتناول السلوك بوصفه نتاج العلاقة المتبادلة بين الفرد ومحيطه المباشر. ويقصد ليفين بذلك أن الذات تؤلف مع الموضوع "مجالاً دينامياً" تؤثر كل نقطة فيه على النقاط الأخرى وتتأثر بها في نفس الوقت. وأن أي توتر يحل بإحداها يستجر ـ بالضرورة ـ العمل على التخلص من هذا التوتر واستعادة التوازن للمجال بأكمله. ولقد أطلق ليفين على العوالم المؤثرة في الذات خلال لحظة ومكان محددين مفهوم "المكان الحيوي"، أو "الحيز الحيوي".
ومن خلال ذلك يتبين بوضوح تأثير الفيزياء والرياضيات على فكر ليفين. فمفهوم "المجال الدينامي" الذي يعتبر مفتاح بنائه النظري هو تعميم لنظرية المجال الكهرومغناطيسي الفيزيائية على الميدان السيكولوجي. ومفهوم "الحيز الحيوي" الذي يعد حالة محددة للمجال السيكولوجي يعكس محاولة وصف السلوك الإنساني عن طريق التصوير الطبولوجي. وعلى هذا يكون ليفين قد اقتفى أثر الغشتالتيين في محاكاتهم للنموذج الفيزيائي، زيادة على اقتدائه، في وقت لاحق، بالنموذج الطبولوجي.
غير أن ما تجدر ملاحظته في سياق المقابلة بين نظرية ليفين والنظرية الغشتالتية هو اختلافهما حول فهم المجال. فبينما نظر الغشتالتيون إليه كصيغة إدراكية تجمع الذات والموضوع في كل واحد، يرى ليفين بأنه البنية التي تتألف من الدافعية ومادتها المتجسدة في العناصر الخارجية التي تتمتع بوجود مستقل عن الفرد. والدوافع هي التي تحرك الفرد باتجاه تلك العناصر، وتتعامل معها على النحو الذي يزيل التوتر ويعيد التوازن إلى كافة أجزاء البنية.
ولئن وجه ليفين اهتمامه نحو الرياضيات عامة، والطبولوجيا خاصة، فما ذلك إلا لأنه وجد في دراسة تشكل المجالات المختلفة للمكان والتحليل الشعاعي VECTOR ANALYSIS نموذجاً طيباً يمكن تكييفه مع "البيئة السيكولوجية"، وبفضل هذا العمل استطاع أن يستبدل الأعداد والكلمات بالتمثيل البياني للتعبير عن "الحيز الحيوي" الذي تجري الوقائع السيكولوجية ضمن حدوده.
ويرى ليفين أن "الحيز الحيوي" مؤلف من دوافع الفرد وقدراته وعناصر البيئة التي تقع ضمن ساحته الإدراكية ويمكن التعامل معها في لحظة ما. وأن حدوده تنتهي عند العناصر المادية الأخرى التي ليست بمتناول إدراك الفرد وتصوراته خلال تلك اللحظة. فالأشياء تكتسب قيمتها بالنسبة للفرد بقدر ما تشكل موضوعات لدوافعه. وهي تقع ضمن مجال إدراكاته واهتماماته مادامت هدفاً لأفعاله وسبباً لتوتره. ولكنها قد تتراجع إلى ما وراء حدود "الحيز الحيوي" في وقت لاحق بعد أن يشبع الدافع ويزول التوتر.
وبفضل التمثيل البياني أيضاً تمكن ليفين من تقسيم "الحيز الحيوي" إلى مناطق، وتحديد الهدف فيها، وتصوير العوائق والحواجز التي تفصل الفرد عن الهدف. وصار يفسر السلوك في لحظة معينة بإعادة رسم "الحيز الحيوي" وتمثيل القوى السيكولوجية الفاعلة أثناءها. ويرى ليفين أن ما يتغير لدى إعادة الرسم ليس "الحيز" وإنما القوى السيكولوجية في داخله. ولذا ينبغي أن تعالج التحولات التي تطرأ على الدافعية ويحس بها الفرد على أساس دينامية الكل. حيث أن الفرد يفعل(يؤثر) في بيئة محددة تشمل مناطق ذات قوة جاذبة وأخرى نابذة. وهذا ما عبر عنه ليفين بمفهوم "التكافؤ Valence". والتكافؤات، عنده، إما أن تكون موجبة(+) أو تكون سالبة(-). وتعتبر منطقة التكافؤ مركز مجال القدرة. فعندما يكون التكافؤ موجباً تتجه جميع القوى السيكولوجية نحو تلك المنطقة. وعندما يكون سالباً فإن هذه القوى تنزع إلى الاتجاه المعاكس.
ولقد استخدم ليفين مفهوم الشعاع(الموجه) VECTOR للدلالة على القوى السيكولوجية داخل "الحيز الحيوي". فالسهم يشير إلى الاتجاه الذي ينزع إليه الفرد، والخطوط تدل على الحواجز والصعوبات التي تعترض الفرد في مسعاه نحو الهدف. وبما أن البيئة تحتوي على عناصر وقوى سلبية إلى جانب العناصر والقوى الإيجابية، فإن انتقال LOCOMOTION الفرد، بالمعنى السيكولوجي(أي بتصوراته وأفكاره) لا بالمعنى الحركي فقط، هو عملية مركبة تتخللها الكثير من الفرضيات والاحتمالات والوسائل التي يمكن أن توصل إلى الهدف. وهو ما يعني. بالنسبة لليفين، تمثيل السلوك في مخطط يلم بجميع المتغيرات المحتملة للقوى السيكولوجية داخل "الحيز الحيوي".
ويعرض ليفين من واقع تجاربه وملاحظاته عدداً كبيراً من الأمثلة على مخططاته الطبولوجية التي سعى من خلالها إلى تصوير الشخصية كـ"منظومة توتر". ويعتبر سلوك الطفل الذي يمر أمام محل لبيع الحلويات واحداً من تلك الأمثلة الأكثر تداولاً، فرؤية الطفل لما هو معروض في واجهة المحل تستثير لديه الرغبة في الحصول على قطعة من الحلوى. وينشأ عن هذه الرغبة توتر يجعل من مكان وجود الحلويات منطقة تكافؤ إيجابي. ويمثل ليفين تصرف الطفل إزاء ذلك في رسومات عدة تتدرج في تعقيدها تبعاً للمناطق والحواجز التي يتألف منها الحيز. فيبدأ باحتمال وجود نقود لدى الطفل، ومن ثم احتمال عدم وجودها وتوجه الطفل بفكره إلى البيت لعله يجد ضالته عند أمه أو أبيه. وقد يخيب أهله أمله فيضطر إلى اللجوء إلى أحد الأصدقاء وهكذا... ففي كل مرة تظهر لدى الطفل حاجة جديدة يستثار توتره ويحل تكافؤ جديد(لازاروس، 1984، 70، 71).

ومثال آخر نقتطفه من متابعات ليفين اليومية لسلوك الناس، والذي يبرز اهتمامه الكبير بجمع المعطيات التي تدلل على دور الدافعية في حياتنا النفسية. فقد كان ليفين يتردد على مقهى قريب من معهد علم النفس في برلين. وذات مرة، بينما كان يجلس في هذا المقهى مع عدد من طلابه نهض من مكانه فجأة منادياً النادل. وحالما وصل هذا الأخير بادره ليفين بالسؤال: "انظر إلى هذين الشخصين اللذين يجلسان في تلك الزاوية ـ وأشار إليها ـ ؛ قل لي من فضلك ماذا طلبا؟".
فأجابه النادل مباشرة وعدد له كل ما طلب الشخصان دون أن يعود إلى دفتره. وبعد أن خرج الشخصان سأل ليفين النادل: "والآن قل لي من فضلك ماذا طلبا؟". وهنا وجد النادل صعوبة في استعادة ما طلبه الزبونان. وعندها التفت ليفين إلى طلابه وسألهم: "ماهو، برأيكم، السبب فيما حصل للنادل؟". إن كل ماكان ليفين يود الوصول إليه هو أن النادل لا يهتم بمعرفة ما طلب أو ما وقع بقدر اهتمامه بمسؤوليته تجاه صاحب المقهى(ياروشيفسكي، 1988،
172- 179).
وقد أوحت هذه الحادثة ومثيلاتها لليفين بسلسلة من التجارب التي أوكل مهمة إجرائها إلى طلابه ومساعديه. وتتمثل أولى حلقاتها في تلك التجربة التي عرفت بالأفعال التامة(المنجزة) والأفعال غير التامة(غير المنجزة)، والتي قامت بها ب.زيغارنيك B.ZEIGARNIK.
وفي هذه التجربة اقترحت الباحثة على مفحوصيها عدداً من المهمات التي كان بإمكانهم إنجاز بعض منها. بينما لم يتيسر لهم إنجاز البعض الآخر؛ حيث كانت التجربة تقتضي من جانب الفاحص أن يفتعل الأسباب لقطع أداء المفحوصين وإيقاف التجربة. وبعد ذلك كان يطلب من المفحوصين تذكر كل ما فعلوه أثناء التجربة. وقد كشفت المعطيات عن أن المفحوصين كانوا أقدر على استرجاع الأفعال التي لم يكتمل إنجازها بالمقارنة مع الأفعال التي تم إنجازها تماماً. ويعلل ليفين وزيغارنيك ذلك بأنه لم تتح في الحالة الأولى فرصة تفريغ الشحنة الدافعية، الأمر الذي يبقي على وضعية التوتر لدى المفحوصين، خلافاً لوضعيتهم في الحالة الثانية؛ حيث تم لهم تفريغ الشحنة الدافعية وزال ماكانوا يكابدونه من توتر. وقد عبرت زيغارنيك عن هذه النتائج بالعلاقة التالية:


الأفعال غير المنجزة المسترجعة
ــــــــــــــــ
الأفعال المنجزة المسترجعة
ووجدت أن هذه العلاقة يجب أن تكون أكثر من +1 في كل الحالات. وفي تجربتها كانت 1.9. مما يدل على أن ما استرجعه المفحوصون من المهمات التي لم ينجزوها حتى النهاية يساوي ضعف ما استرجعوه من المهمات التي أنجزوها تقريباً(ياروشيفسكي، 1971، 225).
وتعد تجربة زيغارنيك إحدى العلامات البارزة التي عرفت بها مدرسة ليفين. وقد استخدمت تقنياتها في عدد من الدراسات السيكولوجية التجريبية. وتروي زيغارنيك نفسها قصة استخدام تجربتها من قبل أحد مساعدي فرويد لإثبات صحة فرضيات التحليل النفسي. وتضيف أن فرويد غضب لدى اطلاعه على ذلك، وألقى بالبحث قائلاً: "إن نظريتي ليست بحاجة إلى إثبات تجريبي".(ياروشيفسكي، 1988، 172-179).
أما الحلقة الثانية في سلسلة التجارب التي أشرف عليها ليفين فهي تجربة م.أوفسيانكينا فقد اتبعت الباحثة أسلوب إيقاف المفحوص عن العمل قبل إنجاز المهمة المطلوبة الذي اتبعته زيغارنيك. ولكنها اتخذت من النشاط الواقعي مادة لتجربتها عوض استعادته من الذاكرة. إذ كانت تعرض على المفحوص القيام بمهمة معينة. وبعد أن يشرع في أدائها كانت تطلب منه التوقف عن عمله لأسباب طارئة واضطرارية. إلا أنه يعطى في الوقت ذاته إمكانية العمل على النحو الذي يراه. وقد أثبتت معطيات هذه التجربة صحة ما ذهب إليه ليفين من أن التوتر يرغم الفرد على إتمام ما بدأه من قبل بصورة عفوية ودون أي تدخل خارجي. فجميع المفحوصين تقريباً كانوا يرجعون إلى المهمة من أجل إنجازها.
وتؤلف دراسة ما دعاه ليفين بالإشباع حلقة أخرى في الأعمال التجريبية التي ارتبطت بفكرة "منظومة التوتر". وواضح أن هذا المفهوم يعبر عن حالة من حالات الحاجة العضوية أو النفسية أو الاجتماعية عند الفرد. وقد استعمله ليفين ليعني به انخفاض مستوى التوتر في النظام الدافعي للفعل نتيجة التكرار الطويل والمستمر له، فيصبح أقل من التوتر في النظم الأخرى، الشيء الذي يمنحها إمكانية تحديد بنية "الحيز الحيوي".
عرضت كارستن، صاحبة هذه الدراسة، على مفحوصيها القيام بمهمة معينة، يدوية(رسم أشكال) أو لغوية(قراءة نص أو قصيدة شعرية)، دون انقطاع، وما أن يمضي بعض الوقت على بداية التجربة حتى كانت تلاحظ الباحثة بعض الحالات الانفعالية على سلوك المفحوصين(انخفاض وتيرة النشاط، محاولة خرق التعليمات، الملل، الغضب....الخ). التي هي من مؤشرات أو أعراض الإشباع. وقادتها ملاحظاتها هذه إلى نتيجة مفادها أن الإشباع يتشكل لدى المفحوصين حينما يبدون موقفاً جدياً تجاه النشاط بسرعة. بينما لا يظهر لديهم إلا في وقت متأخر نسبياً عندما يكون هذا النشاط بالنسبة لهم أمراً ثانوياً وغير ذي معنى.
وتتجلى فكرة ليفين بصورة أوضح في تجربة ديمبو حول"الطموح". وقد أدخلت الباحثة هذا المفهوم لإبراز مستوى صعوبة(أو سهولة) الهدف الذي يتوجه المفحوص نحوه، وعلاقة ذلك بشخصيته. وخلاصة هذه التجربة هي طرح مجموع من المسائل الرياضية التي تتدرج في صعوبتها، وإتاحة الفرصة أمام المفحوص لاختيار المسألة التي يجد أنها تناسب مستواه وبإمكانه البدء بحلها. وبعد أن يفلح(أو يخفق) في حلها يسأل عن المسألة التالية التي ينوي اختيارها. ويشير الاختيار الثاني بعد نجاح(أو إخفاق) المفحوص في حل المسألة السابقة(الأولى) إلى مستوى طموحه.
لقد بات من المعروف أن مستوى الطموح الذي يظهر ويتغير عبر النشاط الحياتي للفرد يرتبط بجميع مكوناته النفسية. فمهما كان الموقف الذي يوجد فيه الفرد بسيطاً، فإن اختياره للاستجابات المقترحة على المثيرات التي يطرحها الموقف بغض النظرعن النتيجة، هو نتاج لنشاط شخصيته ككل وليس لجانب واحد منها. صحيح أن للدوافع نصيباً في الاختيار وردود الفعل على النجاح أو الإخفاق، ولكنها ليست الوحيدة التي تقود النشاط أو تشترطه. إذ من غير الممكن تصور دينامية النشاط بمعزل عن القيم والمعايير التي تحملها الشخصية. كما أنه من المستحيل فصل الجانب الدافعي من الشخصية عن سماتها الأخرى كالقدرات والطبع والمزاج.
والدوافع لأنها تعمل مع مظاهر النفس الأخرى، فإنها تتأثر بها وتؤثر فيها. فقدرة الإنسان في ميدان معين، كالرياضيات أو الأدب مثلاً، والنجاحات التي يحرزها فيه تزيد من شدة وسعة دافعه نحو هذا الميدان. ومن هذا المنظور ينكشف عجز "المجال الدينامي" و"التكافؤات" عن إدراك الشروط الذاتية والموضوعية لنمو الشخصية وتكامل سماتها المتميزة والثابتة ثباتاً نسبياً.
لقد ظن ليفين أن نظريته تغطي كافة مجالات النفس، وأن النماذج الرياضية(الطبولوجية تحديداً) تمكنه من تفسير السلوك الإنساني بكل أبعاده وتجلياته. والحق أن إدخال هذه النماذج إلى علم النفس بهدف إضفاء الموضوعية والدقة على الدراسات السيكولوجية هي إحدى المحاولات المبكرة في تاريخ علم












عرض البوم صور فيصل العاصمي   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية

الساعة الآن 12:30 AM.