العودة   اكاديمية علم النفس > قاعات العلوم الاكلينيكية النفسية والعلاج النفسي > قـاعـات الـعـلاج الـنـفـسـي > قاعة: العلاج التحلـيلـي


إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-15-2010, 05:25 AM   المشاركة رقم: 1
الكاتب
عضو أكاديمية علم النفس

المعلومات
المهنة: معلم علم نفس (أكاديمي)
التسجيل: Aug 2010
العضوية: 8938
الدولة: ابها
المشاركات: 278
بمعدل : 0.21 يوميا
التوقيت
الإتصال فيصل العاصمي غير متواجد حالياً


المنتدى : قاعة: العلاج التحلـيلـي
افتراضي التحليل النفسي لرسام الكاريكاتور وشخصياته النمطية

التحليل النفسي لرسام الكاريكاتور وشخصياته النمطية
لبنان نموذجاً
د.هلال ناتوت

مستخلص:

يتجلّى إنفعال فنان الكاريكاتور بالرعشة النفسية في معاناته مع موضوعه فتفيض ذاته بعد قلق واعتمال وجدانه مفرغاً هذا الإحساس الفنّي على مساحة لوحته الكاريكاتورية المصّورة حيث "يتماهى" في رسوم شخصياته ونمطياته عبر مشهدية تشكيلية مؤثّرة.
وهذا ما بدا مع ستافرو في كاريكاتوره "رثائية العالم" في إستشهاد الحريري 2005 بقوله: "عبقرية الفنان يحرّكها شيء واحد" من واقع الحياة لا يجيد قراءته والتعبير عنه إلا رسّام الكاريكاتور، عندها يتصالح مع نفسه".
كذلك الأمر مع "غضب" ثكلى العلي من قَدَرِها في دمار بيروت 1982:
يا رب إرفع غضبك عنّا.... واقطع نفطك عنهم... هل تسمعني...؟؟؟

فهاتان حالتان تترجمان الصراع النفسي لفنان الكاريكاتور في أعماله، ومنهما:
+ علاقته الحميمة مع موضوع رسومه الكاريكاتورية.
+ تأثير عناصر اللوحة في العلاقة النفسية مع الآخر مثل سقوط القدس 1967.
بالمحصلة إن عالم الكاريكاتور ميدان حاشد بالأبعاد النفسية والدلالات الفنية، وهو جدير بالدراسات المتجددة عن تصاويره عبر الترميز والتكثيف والإسقاط والإزاحة... الخ.
يستمد رسام الكاريكاتور "وجيبه" من تفاعله مع محيطه بالإيحاء بما هو طبيعي أو مرغوب "مُسخّراً" شخصياته النمطية لهذا الدور الرسولي يزيّن بها لوحاته لشهرتها وشعبويّتها لتكون لسان حالة وجمهوره في السرّاء والضرّاء.
ختاماً، يرى جاهين: في الشخصية النمطية نوعاً من الرّدة في الكاريكاتور "لصنميّتها" على حين تتغير المشاعر الإنسانية حسب المواقف النفسية، فكيف للنمطية مواكبة مستجدات مسيرة الحياة..؟؟؟
النقطة الأولى

التحليل النفسي لرسام الكاريكاتور

يتحرّك الإبداع عند الفنان عموماً وعند رسام الكاريكاتور خصوصاً في المساحة الفاصلة بين الإنضباط والحرية أي بين الإلتزام الحِرَفي المهني والخيال الفني الإبداعي، وهنا تلعب نفسية الفنان وذاتيّته دوراً في الإبداع التشكيلي إذ إنّ التغييرات في أسلوب المحاكاة/ التقليدي تعكس "طفرات" تضاد وتعاكس في الرؤية البصرية للفنان أحياناً على امتداد تاريخ البشرية، فالذّات الإستثنائية للفنان الفذّ هي التي تقوده إلى أبعد من النمطيّة المعهودة حسب غومرتش، فيخلق إبداعاته المتميّزة إستناداً إلى نفسيته المتجددة(1) وعندها ينشأ الفن في العقل الإنساني إستجابةً لنفسيّة الفنان ويتمظهر مع الوقت أسلوباً تشكيلياً جديداً كما هو الحال مع بيكاسو في لوحته الإستثنائية "الغورنيكا".
ولهذا تعدّدت مدراس الفنون التشكيلية التي إنضوى تحتها فن الكاريكاتور بداية الأمر حتى إستقل بذاته أخيراً.
نقول إنّ الإنفعال النفسي لفنّان الكاريكاتور يقوم على الوجد والحدس والخيال، ويرتبط الإبداع "بالرعشة من معاناته مع موضوعه فتفيض ذاته بعد قلق وتوتر يحملانه على التعبير فنياً عن مكنوناته، فيعتمل وجدانه ويفرغ هذا الإحساس الفنّي على مساحة لوحته التشكيلية – مثلاً – الكاريكاتورية المصوّرة فإذا به "يتماهى" في شخوصه وهذا يعني أن الهزّة الفنية تحوّلت إلى فعل فنّي مؤثّر، كما يقول برجسون، ثم إلى عمل إبداعي خلاّق (2) .
وهذا ما ظهر جلياً في لوحة كاريكاتور ستافرو عشية رسمه موضوع اغتيال الرئيس رفيق الحريري في لوحة مركزيتها دمعة كبيرة عبارة عن صورة الرئيس الشهيد تعبيراً عن حبّه الكبير ومعاناته الأكبر وتماهيه الأكبر والأكبر في الشخص / الرمز الحريري.

1- "التماهي" النفسي لفنان الكاريكاتور:
يقول ستافرو: إنّني أحب مهنتي والتزم رسالتي بشغف ولا أخاف شيئاً، فسرعة الخاطر النابعة من عبقرية الفن يحرّكها شيء من واقع الحياة لا يجيد قراءته إلاّ رسام الكاريكاتور، لذلك فإنّ رسومي مؤلمة لأني أشعر في ذات نفسي بالألم فيتمظهر في رسوم لوحاتي الكاريكاتورية، فلا يعود الكاريكاتور يشبه السياسي بل يصبح الأخير يشبه الكاريكاتور، فلا غرو إذا ما جاء الحدث ليفرض نفسه علينا فلا أنام كثيراً وغالباً ما أنهض في الثالثة فجراً لأنفّذ فكرة كاريكاتور تراودني و"تقضّ" مضجعي، عندها أتصالح مع نفسي وينزاح الضغط عنّي (3).
لا غرو إذا لاحظنا اعتماد فنان الكاريكاتور حديثاً في لوحاته ورسومه مفهوماً جديداً للنسب التشريحية – مثلاً – يتمظهر تبعاً للمعنى الوجداني المرتبط بدرجة إنفعاله النفسي، وخدمة "لنزوات" الذاتية القائمة على التهويل والمبالغة والسخرية.... إلخ لجوهر الأمور كما رآها رسام الكاريكاتور والتعبير عن إحساسه بها ورؤيته لها فيبدع رسماً يتميز بصدق إنفعاله وطلاقة سجيته.
ربما ذهب البعض لعلاقة عالم الصورة والرسم "بمنحى" السحر والخوارق من جهة وبعالم الأحلام والهلاوس من جهة أخرى، لكن ارتباطه بهما يقوم على أساس العلم والمعرفة أي على علاقة الصور والرسوم بالفنون تارةً وبالحالات الجسمية والنفسية طوراً، وهكذا تجمع الصور والرسوم بين العلم والفن والنفس كذلك.
ولعلّنا نتذكر ما حدث بالنسبة للمشاهدين الأوائل لصور السينما ورسومها في "جراند كافي" بباريس أواخر القرن التاسع عشر حين عرض الأخوان لومبير فيلم "وصول القطار" إلى المحطة إذ تراجع المشاهدون إلى الخلف وصرخوا فزعاً، لا بل هرع البعض منهم مهرولاً هارباً لإعتقادهم أن ما يرونه من قبيل السحر أو الوهم المخيف أو الكوابيس أو الأحلام المفاجئة الوطأة، كل ذلك دليل على أثر الصورة والرسوم على الحالة الجسمية والنفسية لرواد المقهى الباريسي.
لقد استفاد التحليل النفسي إلى حد كبير من استخدام تحليل المضمون الفني للرسم إذ أصبح ممكناً تحديد صعوبات التعبير من خلال إحتساب تكراراتها، وكذلك الإختبارات الإسقاطية إذا أصبح تفسيرها ميسوراً مع هذا التحليل النفسي الذي يسمح بتقاطعه معه – تحليل المضمون – بتقويم العناصر الفنية للوحة الكاريكاتور لجهة تصنيفها وقياسها وتكميمها حسب أهميتها بمثابة "إنعكاس" لذاتية الرسام وما يعتمل في نفسيته، ذلك أن أهداف البحوث تختلف من دراسة إلى أخرى وبالتالي في معالجتها المنهجية.(4)
لتحليل "نفسية" فنّان الكاريكاتور يُفترض القيام بمقاربة تشكيلية لرسومه وتصاويره السّاخرة إستناداً إلى "مفاهيم" نفسية – فنية تعتبر مسلّمات بديهية، ودراستها إجرائياً بتحليل عناصر مكوّناتها (من عنوان وأبطال وموضوع وموقع ومساحات وألوان...) وتوالفها مع الحدث الآني (عرضها القضايا الساعة) والتزام الفنان بخطّ أو نهج معيّن (بين الموالاة والمعارضة أو الحياد) فضلاً عن إنتمائه التشكيلي (إلى أية مدرسة فنية ينتمي) كلّ ذلك بهدف تمكيننا من تحليل المضمون الإعلامي والنفسي والفني للرسام وللعمل عن الناحية الكمية والكيفية والنصية....
وهكذا تبدو اللوحة بعناصرها التأليفيّة وكأنّها مشهد يقوم رسام الكاريكاتور بدور المخرج الذي يوزّع الأدوار (الأبطال)، ويحدّد عدد ونوعيّة العناصر على سطح اللوحة (الأولية والثانوية)، ويبرز الحركة / الفكرة الأساسية في المشهد (موضوع الحدث) بشكل يتناسب مع رؤيته الفنيّة أيّ ثقافته التشكيلية البصرية المتجسّدة ظاهرياً في المبالغة والدّعابة والسخرية والهزل... والهادفة ضمنياً إلى التفاؤل والوعظ وربما الإتهام والدفاع بل الهجوم والتغيير نحو التصحيح كما يقول "العلي"(5)، وكلّها بالنهاية "نوازع نفسية" يسعى الفنان من تحقيقها تحقيق ذاتيته، وعليه يغتني محيطنا الثقافي والفني بالكتابة والرسوم والتصاوير الحاضرة بكل أنواعها ومعانيها وفنونها، والسبب في أن الرسام حين يصّور رموزه فكأنه يتحدث أو يسجل أفكاره من خلالها، كذلك الأمر حين يكتب أو يخطط فكأنه يرسم ويصور رؤياه وأفكاره، وبالتالي فإنه لا يفصل في الشكل بين الرموز والرسوم والكتابة في تعبيره عن مكنونات نفسه الفنية نصاً نثرياً أو رسماً كاريكاتورياً مثل ما حدث مع كاريكاتورالعلي في حصار بيروت 1982 وتدميرها المتعمد مقابل صمت عربي رهيب إنتقاماً من عاصمة الحرية والحبُ والمقاومة .
لا بد للفنان من تفهم نموذج رسمه الكاريكاتوري وتحليله، وأن يستوحي من حديثه وإشاراته وأعماله خلال ملاحظاته له فيصوره عبر شعوره وحدسه لتظهر الصورة الكاريكاتورية للناس حسنة الرواء جذابة تُفرح النفس والقلب.
بل لا بد لذاتيته الفنية من الإندماج الكلي بموضوع رسمه الكاريكاتوري ليبدع عملاً تشكيلياً فيه روح وفكرة تدل على الإحساس بالذوق والجمال.
يذكر "صادق" في هذا الصدد عن "معاناته النفسية" لإبداع رسومه الكاريكاتورية:
"قبل أن أقوم بالرسم أضع نفسي مكان القارئ/ المشاهد وأسأل: ما الذي يهمّني من كل الأحداث الجارية، ثم أتحيّن الإلهام الذي مصدره صورة أو حركة أو الفكرة لفتت نظري أو سمعي إلى شيء ما وتوحي لي به، وبذلك أكون قد أمسكت بطرف الخيط الفني وفي لحظتها تبدأ " المعاناة النفسية" لأبدع الفكرة الفنية الكاريكاتورية رسماً وتصويراً، وعندما أباشر عملية التخطيط التحضيري للعمل يتطور الرسم عندي تدريجياً حتى تكتمل لوحة كاريكاتور مناسبة لموضوع الساعة بكل ما تتطلبّه من تقنيّات الرسم، عندها أشعر بالتوازن النفسي والغبطة والسرور"(6) .

2- التداعيات النفسية في الكاريكاتور
على كلّ حال إنّ ميدان الرسم الكاريكاتوري عالم حاشد بالمعاني والأبعاد والدلالات والإحتمالات، فهو عالم جدير بالدراسات المتجدّدة للعوامل النفسية خاصة في صوره الكاريكاتورية، حيث لا بدّ من رصد هذه العوامل النفسية في نتاجه من خلال: الترميز والتكثيف والإسقاط والإزاحة... الخ داخل كل لوحة سواء على مستوى واحد من المتغيرات أو على عدة مستويات (7) ، فمن مظاهر التداعي النفسي حيال الحدث الواحد تخال فئة من الناس، على سبيل المثال "إقتباس" بعض رسامي كاريكاتور لبنان لتتشابه صور بعضهم أحياناً مثل واقعة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري 2005 في حركية إندفاع النفس التشكيلية لديناميتها في "تلقف" الحدث والتماهي فيه "فتتظاهر" رسومهم الكاريكاتورية.... من خلال تماثل الإنفعال النفسي / الفني لأسباب ثقافية اجتماعية سياسية وربما شخصية أحياناً... فيدركها المشاهد ويتحسسها بل يتذوقها بأية خامة تمظهرت وبدت.
بناء عليه، يمكننا ذكر بعض الأثر النفسي لرسام الكاريكاتور في أعماله الفنية ومنه:
1- العلاقة الحميمة بين هوية / نفسية الفنان ورسمه الكاريكاتوري، مثل الأعمال الفنية المختلفة لستافرو جبرا.
2- تمظهر هذه العلاقة النفسية بنمطية أو تيار خاص برسام الكاريكاتور، مثل إبداعات ناجي العلي.
3- إنطباع صورة رسمه الكاريكاتوري لدى المشاهد / الآخر، مثل شخصية أبو عبد البيروتي مع ملحم عماد.
4- أثر عناصر اللوحة في العلاقة للآخر مع الرسم مثل تجاوبنا مع رسوم فناني الكاريكاتور حيث يتجاوب موضوعها وإخراجها مع هواجسنا وآرائنا مثل حادثة سقوط القدس 1967 مع ديران عجميان.
لقد أصبحت الصورة في "عصر الميديا" تسبق "الواقع الافتراضي" بينما كانت في الماضي تأتي بعده أو متوالفة معه، ذلك أن النفس الإستشرافية للفنان تحاول أن تتخطى حدود الواقع بل تسبقها في محاولات "رائدة" نظير رسوم بساط الريح أو محاولات ابن فرناس في الطيران... أو عالم ألف ليلة وليلة... إلخ.
غدت الصورة تسبق الواقع وتمهّد له فالصور تحدث أولاً ثم تأتي المحاكاة لها على أرض الواقع لاحقاً، ولذلك لم تعد الصورة محاكاة للواقع بقدر ما أصبح الواقع – اليوم – أشبه بمحاكاة للصور نفسها. حتى ذهب البعض إلى أنّ مرحلة ما بعد الحداثة حطّمت اليقين الحداثي في أصالة الصور كمتغيّر موثوق به مما حمل مارهول على رفض فكرة النّظر إلى الفن – أخيراً – بوصفه عملاً إبداعياً أصيلاً ومتفرداً في الزمان والمكان بسبب طفرة التكنولوجيا في "ثقافة الميديا" في ثورة الرسم والتصوير... إنه عالم الظواهر "كما لو" As if Phenomena.
نختم مع "العلي" في تعبيره عن نفسية رسام الكاريكاتور:
"أشعر أنّ حظي أوفر من غيري لأنّ رسم الكاريكاتور يتيح لي إمكانيّة تنفيس همّي ومعاناتي بلغة الريشة، أعرف أنّ الرسم يُعزّيني.
أشعر أنّ الكاريكاتور لغة التخاطب مع الناس ولغة التبشير وهو للنقد وليس للترفيه، وأعتبر أنّ لديّ "حالة نفسية معينة"عن الآخرين، وكنت كثير الاهتمام في إبتكار منهج خاص ذي لغة معينة لأسلوبي الفنّي فكراً وآداءاً، وشعوري أيّ شفاف في رسومي ويهمّني أن يعيشها الإنسان الأمّي والعادي والمثقّف على حدٍ سواء" (8).

خلاصة:
يلعب التشكيل دوراً هاماً في رسم الكاريكاتور، فالفنان حين يصوّر عنا صرلوحته ورموزه كأنّه يتحدّث من خلالها معبّراً عن نفسه ومجتمعه، وحين يكتب فكأنّه يرسم أي أنّه لا يفصل بين الرمز والكتابة حرصاً على تطابق لوحته مع ذاته المنفعلة والمتفاعلة مع محيطه لتختصر عشرات المقالات في "تناصّ" مجازي بتعبير تشكيلي أشبه بحالة بصريّة حافلة بالمواقف والحكايات.
إنّ للحالة النفسية لرسام الكاريكاتور تأثيرها الكبير – دون شك – في إبداعات تصاويره، سيمّا وأنّ معرفتنا غدت مرتكزة على ثقافة الصورة، في إرشاد الناس نحو الحقيقة أو تقويم اتجاهاتهم ومُثلِهم وربما التأثير في سلوكهم، فهو يستمد تفاعله معهم من قوته في الإيحاء بما هو طبيعي أو بما هو مرغوب ومهم خاصّة عند "كشف المستور" أمام أنظارهم فتكون جدوى رسومه مضمونة إيجابياً لأنّ الكاريكاتور هو الآداة المثلى في السلم والحرب.
لعلّ للصورة قدرة عجيبة حقاً أشبه بالسّحر تؤدي إلى الإنجذاب إليها والمتابعة المستمرة لمختلف "تجليّاتها" في الحاضر، ذلك أنّ الصور وتحولاتها أياً كانت مرسومة أو فوتوغرافية أو إفتراضية (تلفزيونية أو رقمية)... إلخ غدت تتجاوز الممكن وتجترح المعجزات وتأتي بعجائب الأمور.


النقطة الثانية

التحليل النفسي للشخصية النمطية

"الرّمز" هو عبارة عن علاقة بين الدال والمدلول على المستوى النظري، ويعتبر سوسير أن "الدّال" هو الشكل الذي يتقمّصه الرّمز أي الشيء الذي يمكن رؤيته أو سماعه أو الشعور به، أمّا "المدلول" فهو المفهوم المعنوي أو التصوّر الذهني الذي يمثله – يوحيه – الدّال ولا يستبعد الإحالة إلى مفاهيم مجردة أو هويات متخيّلة (9).
وعليه، يتمظهر الدّال في الكلمات والصور والرسوم والأفعال والأشياء... ومنها الشخصية النمطية في الرسم الكاريكاتوري فتغدو معها الرموز "دلالات نمطية" يُكسبها مستخدموها معنىً خاصاً بها أي مدلولاً ملازماً لها ليصبح شائعاً فيما بعد مثل: أبو طنوس بالدبور، وأبو خليل بالصياد، وتوما بالنهار.... إلخ وهكذا يصبح الرّمز من أهم عناصر رسم الكاريكاتور لدى الفنان، إنّه يشاطره اللوحة موضوعها ومضمونها فنادراً ما نرى عملاً فنياً تشكيلياً إلاّ ويمثل الرّمز فيه "قيمة مضافة" تقربّه من ذوق العامة والخاصة على حدٍ سواء.
إذنْ ما هو دور الرمز على مستوى الكاريكاتور التشكيلي؟؟...
إنّه من الناحية الفنية "لغة تشكيلية" يتوسّلها الفنان للتعبير عن أحاسيسه وانفعالاته نحو كل ما يهزّ مشاعره من أفكار ومظاهر وما شابهها... إنّه "الوحدة الفنية" التي يختارها رسام الكاريكاتور من محيطه أو يبتدعها من مخيّلته لكي "يزيّن" بها إنتاجه الفني ويكسبه طابعاً متميزاً، وكلّما تعرّفنا على تلك النمطية الرّمزية المتجسّدة بالنموذج / الشخصية النمطية وأجدنا تفسيرها كلمّا أصبحنا أكثر قدرة على فهم مضمون الرسم الكاريكاتوري واستيعابه – بفضل التعود عليه – شرط أن يكون محملاً بالقيم والمفاهيم المألوفة في المجتمع.

أولاً: إبتداع الشخصية النمطية ومظاهرها
يبدو الرمز النمطي / النموذج في مظاهر عدة، منها:
+ الرّموز الدينيّة المختلفة والمتعدّدة.
+ شكل إنسان موصوف بخصوصية ذاتية.
+ نوع من حيوان معيّن لتميّزه بنفسه.
+ صنف من طير يحبه الفنان لأسباب خاصة.
+ شيء غير محدّد شائع الاستخدام.
+ خطوط هندسية أو مصطلحات أخرى لها معنى وقيمة في ذاتها (10).
فالمجتمع هو الذي يحمّل الرّموز النمطية معنى خاصاً ويضفي عليها طابعاً معيناً إنطلاقاً من مفاهيم ثقافية شائعة, وتتجلى هذه "النمطيات" في شتى الميادين الفكرية والشعبية والفنية والإعلامية، وفي الرسم الكاريكاتوري خصوصاً مثل الآلهة "بسي" عند الفراعنة والآلهة "ميدوزا" عند اليونان كذلك.
يسعى معظم رسامي الكاريكاتور إلى ترميز أفكارهم بابتكار شخصيات كاريكاتورية "نمطية"، أو توسّل بعض الشبيهات والصور والأفكار الشائعة في المجتمع، وهكذا ينتقي الرسامون الكاريكاتوريون شخصياتهم الرّمزية / النمطية بشكل يعبّر عن ضمير الجمهور ووجدانه.
وقد عرف الكاريكاتور الحديث فنانين إعتمدوا رمزاً نمطياً عبارة عن "شخصية نمطية" ثابتة أو متحركة أو متغيرّة لكنها دائمة الحضور في رسومهم ولوحاتهم، أو متقطعة الظهور بإطلالتها... لكنها بالنهاية تساهم في بناء شخصية الرسام فنيّاً وتشكيلياً، فضلاً عن وجهة علاقته بالقارئ / المشاهد.
ومن شروط إختراع الشخصيات النمطية الالتزام بتطوير ملامحها وأسلوب آدائها في مراحل وأحقاب متعاقبة لتساير مستجدات العصر وتطور الحياة، وهذا ما حصل مع شخصيات الرسام ستافرو جبرا في مسيرته الفنية مع الكاريكاتور إذ انتقل من نمطية "القروي" اللبناني في الثمانينات إلى المواطن "الكليم" – الجريح – في التسعينات ثم أخيراً إلى شخصية "الجغل" في الألفية الثالثة.
وهكذا فكل شخصية نمطية تولد في ظروف معينة وفي توقيت خاص فهي بمثابة استجابة وتداعيات لظواهر عديدة مستجدة بل متداخلة تحيط بالفنان مبدعها.

ثانياً – الشخصيات النمطية
من أشهر رسامي الكاريكاتور الذين بنوا شخصيتهم النمطية على الرّمز، أو تبنّوها، نذكر:
أ- "إعتمد" الأخوان جانا في مجموعة سلسلة الحمارة الشخصية النمطية "الحمارة البشرية" رمزاً للمواطن اللبناني الخفير سنة 1910 لتنطق عنه بالحق طالبةً "العدل" مناوئة الفساد وتسلط الحكام بالعهد العثماني حتى أدّت بهما جرأتها إلى تعطيل السلطة لسلسلتهما، وقادت توفيق إلى السجن، عام 1914 (شكل 1).
كذلك إبتدعتِ صحيفة هبت "أوّل شخصية نمطية" للقروي اللبناني سنة 1925 قبل الحرب الأولى معتمراً لبادته وصدريته وشرواله (شكل 2).
ب- إبتداع ديران عجميان (ت1991) شخصية "غنطوس" النمطية في الخمسينات على صفحات الدبور وهو يرمز إلى القروي اللبناني من الطبقة الوسطى، فهو متواضع حاذق وفضولي معاً ونموذج للعصامية للإستقامة والوطنية تراه ينقد ويعاكس ولكننا نستمتع بموافقة وآرائه (شكل 3).
ج- اختلق محمود كحيل (ت 2003) نموذجة النمطي "الغراب" في الستينات ليتأقلم مع مناخ كل لوحة أو رسم كاريكاتوري ففي الموضوع المائي يتحول إلى سمكة سابحاً وفي الميداني معتمراً الخوذة مقاتلاً... (شكل 4)
د- إبتكر ملحم عماد رمزه "البزّاقة" بالتسعينات في رسوماته عن القضية الفلسطينية وخاصة في "الحلم الذاتي" فهي الشخصية العرفاتية المتخفية المتلونة الزاحفة دوماً نحو الإستسلام رافعة قرنيها" (شكل 5).
كذلك رسم عماد شخصية "أبو عبيد البيروتي" بمثابة شخصية نمطية – بطربوشه وصدريته وقنبازه وعصاه – وفاءً لسيدة عواصم العروبة بيروت.
هـ - أما خليل الأشقر (ت 1985) فقد اعتمد شخصية "أبو خليل" النمطية في الخمسينات كرمز لمجلة الصياد بناء على رغبة صاحبها فريحة، وهي شخصية تشارك نظيراتها عن القروي اللبناني الصادق المتميز بوطنيته وغيرته على أبناء الشعب، واعتزازه بعروبته وقوميته، وتزيّن منحوتته مدخل المؤسسة (شكل 6).
و- إستمر جان مشعلاني في شخصية "أبو خليل" المذكورة يحركها على صفحات الصياد منذ الستينات ولم يزل بحيث تعتبر هذه الشخصية من أطول الشخصيات النمطية الكاريكاتورية عمراً بالدوريات في لبنان، ولهذا استحق أبو خليل أن يحتل تمثاله مدخل دار الصياد.
ز- أمّا بيار صادق فقد اخترع "توما" نموذجاً خاصاً "بشخصيته النمطية"، وعنها يقول: "أسميته توما لأنّه لا يصدق أيّ شيء، توما لم يصدق جرح المسيح إلاّ حين وضع إصبعه في الجرح. وتوما هذا هو من أحمّله همّي أحياناً، بل أفكر في كتابة قصص عنه لكن الوقت يحول دون ذلك" (شكل 7).
ح- على حين تعددت مع ستافرو جبرا شخصياته النمطية من "القروي" الساذج ونفسه الطيبة مع بدايات رسومه بالسبعينات، إلى اللبناني "الكليم" – الجريح – بضماداته في حرب الغرباء بالثمانينات، ثم تطوّر الرمز معه إلى الشاب "الجغل" بقبّعته المقلوبة في الألفية الثالثة بعد إعمار الوطن واستنهاض الحياة (شكل 8).
هذا ويعتذر ستافرو عن تسمية رموز شخصياته النمطية كونها متحركة ومتغيرة في كل مرحلة، وهي سِمة عند الرسام الكاريكاتوري المبدع.
ط- تميز ناجي العلي (ت1988) برمز توقيعه الطفل "حنظلة" منذ السبعينات كنموذج للمرارة والأسى العربيين. أطلت هذه الشخصية النمطية سنة 1969 بقولها: "إسمي حنظلة، أمّي إسمها النكبة، وُلدت في 5 حزيران 1967، محسوبك إنسان عربي وبس. التقيت ناجي صدفة مش عارف يرسم، وإني مستعد أن أرسم عنه الكاريكاتور... وإلى اللقاء غداً".
يمثل حنظلة موقف وضمير الفنان عاقداً يديه خلف ظهره كشاهد لا يغيب وجهه عن الجمهور تجسيداً لإستيائه من الواقع العربي. (شكل 9).
ي- أخيراً إشترك أغلب رسامي الكاريكاتور في لبنان بتصوير الشخصية النمطية لأبو عبد البيروتي بلباسة الفولكلوري الشعبي (الطربوش والصدرية والخنباز والعصا) رمزاً لجمهور الشعب وضميره، مشاركاً بالحدث ممثلاً موقفاً شعبياً وطنياً فاعلاً نيابة عن جمهوره (شكل 10).
الملاحظ وجود تشابه في كل بلد وجه وتماثل من حيث "الكم" الكبير الملحوظ في الشخصيات النمطية بين أغلب رسامي الكاريكاتور إذ يحملوها خصائص مشتركة في المظهر العام وتقاسيم سماتها الوطنية وربما القومية.
فمثلاً مرت معنا شخصية القروي اللبناني رمزاً للمواطن الصادق وإلى جانبه نجد نمطيات أخرى مستقلة بذاتها إنما تشارك الأولى في بعض خصائصها العامة.

خلاصة:
إنّ الرموز النمطية لرسامي الكاريكاتور هي شخصيات حية ونماذج بشرية واقعية من صميم حياتنا تحيا في مخيلتنا تعايش همنا ونعايش سيرتها، وتمتاز بالحيوية الضاحكة والسخرية اللاذعة فهي صالحة للظهور على شاشات التلفزة والسينما... إلخ.
يعود الفضل في إختراع الشخصية النمطية بالمعنى الفني التشكيلي في الكاريكاتور اللبناني يعود إلى خليل الأشقر في الأربعينات على صفحات الصياد، ثم اقتبس العديد من الرسامين اللاحقين فكرة نمطية أبو خليل "فعجنوها" وكيّفوها بطريقتهم الخاصة.
يعتقد البعض بسهولة "ابتكار" الشخصية النمطية لكن الصعوبة في المحافظة على إستمرارها نظراً للتطور المستمر في النشاط الإنساني، لذلك يفضل البعض تطوير هذه الرموز النمطية نفسها تارة أو استبدالها بخلق شخصيات جديدة تتوالف ومتقضيات الظروف المستجدة أو الحوادث الممتدة إذ يغتني الكاريكاتور ساعتئذ بأفكار متجددة وأنماط تعبير محدثة يشعر الرسام معها في حركة ريشته أكثر من التقليد والروتين الشائع.
أخيراً يرى صلاح جاهين خلاف ذلك، ففي الشخصية النمطية نوع من "الرّدة" في الكاريكاتور حيث الأنماط تحصرك في طباع شخصية ثابتة لا تتغيّر، في حين تتغيّر المشاعر الإنمائية وتتبدّل ويتغلب فيها جانب على آخر بصفة دائمة، فكيف لها مواكبة المتغيرات.


مصادر البحث ومراجعه

1- Gombrich E.H. , The Story of Art., London, Thaidon press, 1955, p125.
2- عبد الحميد، شاكر: عصر الصورة – عالم المعرفة – عدد 311 – الكويت – 2005 – ص 217.
3- دليل النهار – بيروت – عدد تاريخ 5/4/2002.
4- عبد الرحمن، عواطف: دراسات في الصحافة العربية – دار الفارابي – بيروت – 1996 – ص 88.
5- كلّم، محمود عبد الله: من أجل هذا قتلوا ناجي العلي – درا بيسان – بيروت – 2001 – ص 88.
6- صادق، بيار: محاضرة في كلية الإعلام – بيروت – ربيع 2004.
7- Dagognet F., Philosophie de L’Image, Ed. Vrin, Paris, 1997, P.75
8- كلم، محمود عبد الله: مرجع سابق ص 59.
9- عبد الحميد، شاكر: مرجع سابق ص 315.
10- قانصوه، أكرم: التصوير الفني الشعبي – عالم المعرفة – عدد 203 – الكويت – 1995 – ص 99.












توقيع :

عرض البوم صور فيصل العاصمي   رد مع اقتباس
قديم 08-15-2010, 06:05 AM   المشاركة رقم: 2
الكاتب
أخصائية نفسية
مشرفه سابقاً

المعلومات
المهنة: أخصائيـ/ ـة نفسي
المؤهل الدراسي: بكالوريوس علم نفس عام
التسجيل: Aug 2009
العضوية: 586
الدولة: السعوديه
المشاركات: 1,083
بمعدل : 0.63 يوميا
التوقيت
الإتصال وفاء باوزير غير متواجد حالياً


كاتب الموضوع : فيصل العاصمي المنتدى : قاعة: العلاج التحلـيلـي
افتراضي


بالرغم من تواضع معلوماتي وكذلك أدواتي في فن الكاركاتير
وبالرغم من صعوبة بعض مصطلحات هذا المقال
إلا أنني حاولت إستيعاب ما استطعت منه
ولي إضافة_إذا سمحت أستاذي_:

اقتباس:
تميز ناجي العلي (ت1988) برمز توقيعه الطفل "حنظلة" منذ السبعينات كنموذج للمرارة والأسى العربيين. أطلت هذه الشخصية النمطية سنة 1969 بقولها: "إسمي حنظلة، أمّي إسمها النكبة، وُلدت في 5 حزيران 1967، محسوبك إنسان عربي وبس. التقيت ناجي صدفة مش عارف يرسم، وإني مستعد أن أرسم عنه الكاريكاتور... وإلى اللقاء غداً".
يمثل حنظلة موقف وضمير الفنان عاقداً يديه خلف ظهره كشاهد لا يغيب وجهه عن الجمهور تجسيداً لإستيائه من الواقع العربي.
بالفعل..
كان الرسام ناجي العلي يتميز بتلك الشخصية النمطية
_خصصت ناجي العلي بحكم معرفتي عنه_

اقتباس:
اعتقد البعض بسهولة "ابتكار" الشخصية النمطية لكن الصعوبة في المحافظة على إستمرارها نظراً للتطور المستمر في النشاط الإنساني، لذلك يفضل البعض تطوير هذه الرموز النمطية نفسها تارة أو استبدالها بخلق شخصيات جديدة تتوالف ومتقضيات الظروف المستجدة أو الحوادث الممتدة
ناجي العلي اختار الطفل حنظلة كشخصية نمطية
فكانت لوحاته تتفق مع الشخصية النمطية _كفكرة ومبدأ_

* وجود الشخصية النمطية يعني تأطير مواضيع الفنان بشيء يخدم مبدأ وأفكار تلك الشخصية وهمومها وأهدافها؛ وهذا يعني صعوبة اختيار الشخصية النمطية لأي فنان _وفي ذات الوقت نجد أن الشخصية النمطية تعبر عن رسالة يود الفنان إيصالها علاوة على كونها توقيع شخصي للفنان.
سؤالي: ما مدى أهمية وجود الشخصية النمطية لدى رسامي الكاريكاتير؟ وكيف يوظف الرسام تلك الشخصية بحيث لا تصبح سقفاً للإلهام والخيال؟؟

::

طيف من أروع الألوان لجمال الموضوع
^ ^
دمتم منهلاً

احترامي












عرض البوم صور وفاء باوزير   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية

الساعة الآن 08:48 AM.